المرأة الجديدة تُرثي الشهيدة وفاء خليفة.. آخر حدوتة ثورية من على فراش الموت

مؤسسة المرأة تنظم سلسلة ندوات فى إطار حملة “عدالة ومساواه فى الأجور “
نوفمبر 6, 2013
ورشة عمل لقاء اعضاء ائتلاف السيداو
نوفمبر 10, 2013

تحدثك بصوت اختلطت فيه الدموع بآهات الألم والمرض عبر الهاتف. تتسول الشفقة والرحمة من أي شخص تجد فيه الأمل لإنقاذها. يجبرك صوتها المتهدج المرتعش على أن تتوجه إليها بضميرك وعاطفتك، فهي تبحث عن وميض ضوء في ظُلمة القهر والفقر والمرض. توجهك قدميك نحو وسط القاهرة، وسط حارات شارع “كلوت بك”. تبحث عن أحد فنادق الليلة الواحدة حيث مبيت السيدة الأربعينية المنكوبة.

 

ذهبت إلى قصر العيني الفرنساوي مصابة بالشلل.. فطردت منه مصابة بالسرطان

تصعد درجات السلم وتدق الباب الموارب، فيأتيك صوت خافت ضعيف: “اتفضل”. تدخل إلى الغرفة ضيقة الأركان، تستطيع الحركة فيها بالكاد، فتجد غرفة بها سيدة قعيدة الفراش، تساقط شعرها من آلام السرطان، وجهها شاحب اللون وجسدها الهزيل تمكن المرض منه. تمد يدها للمساعدة على النهوض، فتسمع أوجاعا تهز أركان الغرفة من حولها. لا تصدق أن من أمامك الآن كانت تحمل المصابين والشهداء بين يديها خلال ثورة 25 يناير لإسعافهم. لن تصدق أن من تتسول العطف من الجميع الآن أنشأت مستشفى ميدانيا في ميدان التحرير لعلاج المصابين أثناء أحداث محمد محمود على نفقتها الخاصة. كل هذا قدمته الدكتورة وفاء خليفة، ضحية الإهمال والفساد، المصابة بأحداث محمد محمود الأولى، وهو ما كشفت عنه  في آخر حديث مطول قبل نيلها الشهادة، بعد صراع طويل مع القهر والظلم والمرض.

 

الشهيدة؛: رئيس صندوق “رعاية المصابين” الإخواني شطب اسمي لانتقادي “المخلوع”

الدكتورة وفاء خليفة هي الشهيدة ابنة الشهيد، فوالدها ضابط استشهد في حرب الاستنزاف قبل مولدها بثلاثة أشهر، كما أن أسرتها (والدتها وأشقاءها) سقطوا ضحايا زلزال 1992، ومن وقتها عاشت وحيدة دون زوج وأبناء، وتفرغت لحياتها العملية والعلمية كأستاذة في علوم البحار، إلا أن الصدام السياسي الأول لها مع نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، عندما اعتقلتها مباحث أمن الدولة في يونيو 2006، بسبب قصيدة انتقدت فيها النظام الحاكم في أحد مؤتمرات المجلس القومي للمرأة. تحكي الدكتورة وفاء عن معاناتها داخل المعتقل، قائلة: “10 أشهر قضيتها داخل أسوار مباحث أمن الدولة، تعرضت فيها لشتى طرق التعذيب والإهانات، وحدثت لي صدمات عصبية ونفسية عديدة، ولم أخرج منه إلا في حالة انهيار نفسي تام، بعدها فُصلت من عملي وشردت في حياتي”.

 

25 يناير 2011، كانت بالنسبة للدكتورة وفاء خليفة الصدام الثاني مع النظام، عندما نزلت إلى الشارع والتحمت بالشباب، وهتفت “عيش حرية عدالة اجتماعية”، وكأنها وجدت ضالتها في استرداد حقوقها المسلوبة، وكرامتها التي سُلبت داخل المعتقل. استمرت كأم للشباب تضحي بينهم في الميدان، وتحمل المصابين بين أحضانها لإسعافهم، ويحملها الشباب عندما تصاب. ظلت بينهم 18 يوما حتى رحيل النظام. فتحت صدرها للقنابل المسيلة للدموع، وتلقى جسدها خلالها عشرات الطلقات من الخرطوش والمطاطي، بعدها كان قرارها الصريح بالمشاركة في كل فعاليات شباب الثورة.

 

ضحيت بحياتي ومالي من أجل الثورة.. ولا أجد ثمن الطعام الآن

وفي محمد محمود، نزلت وفاء خليفة وسط شباب الثورة في الميدان، وجهزت مستشفى ميدانيا على نفقتها الخاصة، وكانت تنقل المصابين من قلب الأحداث إلى المستشفى. تتحدث عن تلك اللحظات الصعبة قائلة: “في وسط برك الدماء، كان المشهد المؤلم عندما رأيت أبنائي من المصابين والشهداء يُلقى بهم وسط الزبالة، فقررت أن أدخل وأنقذ أحدهم، وعندها تلقيت أول قنبلة مسيلة للدموع في ظهري من مسافة 10 أمتار، فسقطتُ على حافة الرصيف وكسرت ضلوعي، بعدها حاولت النهوض بالمصاب الذي كان بين يدي، فتلقيت قنبلة ثانية في أسفل فقرات الظهر، ومن هنا بدأت رحلة المعاناة والألم. وقتها لم أبالي بما حدث لي، فغادرت إلى منزلي ولم أعرف حجم الإصابة، وفي اليوم الثاني كان الألم لا يفارقني، فذهبت لمستشفى الهرم فرفضوا علاجي لأني من مصابي الثورة، فتوجهت لقصر العيني الفرنساوي فرفضوا علاجي أيضا، ولمدة 11 يوما أصبت فيها بالشلل النصفي، حتى دفع الدكتور ممدوح الشربيني مدير المستشفى الميداني بميدان التحرير، نفقات علاجي بقصر العيني، التي وصلت إلى 12 ألف جنيه، وبعدها بدأت إجراءات تسجيلي بصندوق رعاية الشهداء والمصابين وصرف جوابات علاج لي، وتم عمل عملية جراحية بعد إجراء الأشعة أثبتت إصابتي بشلل في العمود الفقري، وذلك في شهر يوليو 2012، وبعدها مشيت على قدمي لفترة قصيرة، إلى أن عانيت بعدها من ألم شديد، وأثبتت الأشعة إصابتي بسرطان في النخاع الشوكي نتيجة خطأ جراحي، ومن وقتها تم علاجي بالكيماوي حتى أكتوبر 2012، إلى أن تم طردي وبقية مصابي الثورة من قصر العيني الفرنساوي قبل عيد الأضحى بأيام، وحررنا محضرا في قسم السيدة زينب ضدهم، إلا أن البعض تنازل من أجل العودة مرة أخرى، ولأني رفضت التنازل بقيت في الشارع”.

 

 

رحلة أخرى من المعاناة والألم عاشتها الدكتورة وفاء خليفة مع مجلس رعاية أسر شهداء ومصابي الثورة، حيث قالت إن “رئيس المجلس خالد بدوي، ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وقام بشطبي من الصندوق وإيقاف جوابات علاجي، بعد انتقادي الرئيس المعزول محمد مرسي وسياساته، وإهماله لشهداء ومصابي الثورة، خاصة بعد ما حدث لهم من ضرب وإهانات بقصر العيني الفرنساوي، ومطالبته لنا بالتنازل عن المحاضر التي حررناها ضد قصر العيني الفرنساوي من أجل استمرار علاجنا، ومن وقتها ولا أجد العلاج، ومرمية هنا في الفندق ومحدش بيسأل فيَّا”.

 

مع اللحظات الأخيرة في حياة الدكتورة وفاء خليفة، صارت لا تجد حتى طعامها، فأموالها نفدت والجميع تخلى عنها. السيدة الشابة أصبحت مثل عجوز في الثمانين من عمرها. السرطان ينخر في أنحاء جسدها، وتضاعفت نسبته في جسدها لتصل من 17% حتى 35%. تريد الدواء ولا تستطيع أن تبرح فراشها بحثا عنه. تطلب من أي شخص تستشعر فيه الأمل في إنقاذها ولا تجد المنقذ، إلى أن نفذت إرادة الله وصعدت روحها إلى بارئها، وفي وجدانها أمنية أخيرة، أن يخرج نعشها في جنازة شعبية من مسجد عمر مكرم، كأقرانها من شهداء الثورة الأبرار، في رحلة البحث عن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

جريدة الوطن