العقاب الجماعي شريعة الداخلية في زمن الثورة – بيان

أكثر من ألف مريض إيدز بالسعودية في عام
أبريل 10, 2013
الصحفية الحقوقية إيمان القحطاني تتوقف عن التغريد بسبب المضايقات من قبل قوات الأمن
أبريل 15, 2013

المركز المصري للإصلاح المدنى والتشريعي


وسط السيولة والارتباك اللذان يهيمنان علي المشهد السياسي المصري، تبدو الداخلية الأكثر إتساقا ووفاءا لعقيدتها وتراثها في إمتهان حقوق المواطن واستباحه دمه وعرضه. فبينما لم تتجاوز الخطب الرنانة والتصريحات المتعاقبة عن هيكلة الشرطة هامش النص، ظل المتن وكالعادة مسرحا للعديد من التجاوزات، بدءا من سقوط الضحايا الأبرياء أثناء المطاردات، مرورا بالثأرية أو الانتقامية التي صارت وباءا مستشريا في الممارسات بيانالأمنية وانتهاءا بتسيس المستويات القيادية العليا في المؤسسات والأجهزة الأمنية. ومع ذلك شهد الأسبوع الماضي تطورا نوعيا في أداء الشرطة، أو بالأحري في سجل تجاوزاتها حين واظبت وعلي مدي عدة أيام متتالية علي عقاب البدو الرحل من سكان عشش النهضة بمدينة السلام بشكل جماعي انتقاما لمقتل أحد أفرادها.

وقد بدأت الأزمة –وفقا لروايات المتضررين من الأهالي- مساء يوم السبت الموافق 30/3/2013 مع قيام النقيب “محمود المحرزي” معاون مباحث قسم السلام ثان بقيادة حملة للقبض على مجموعة من تجار المخدرات بالمنطقة الصخرية بالنهضة (المنطقه الجبلية)، وهي الحملة التي شهدت تبادلا لإطلاق النار بين القوة الأمنية والعناصر الاجرامية المتحصنة بالمنطقة الجبلية مما أدي لإصابة واستشهاد النقيب “المحرزي” فضلا عن إصابة أحد أمناء الشرطة. عقب ذلك قام عدد من الجنود بحمل جثمان النقيب “المحرزي” والعودة به إلي قسم السلام ثان، حينها استشاط بقية ضباط القسم غضبا لمقتل زميلهم وقرروا الثار له دونما اعتبار للقوانين أوضوابط الاجراءات الجنائية، فضلا عن حقوق سكان العشش اللذين بدوا صيدا سهلا لتنفيس الغضب المستعر داخل صفوف ضباط القسم واستعادة هيبتهم “المزعومة”، وقد تم تجييش “تجريدة” أمنية موسعة من القوات المتواجدة بقسم السلام أول وثان وقسم المرج فضلا عن عدد من البلطجية من منطقة “سبيكو” القريبة من منطقة النهضة  –وفقا لرواية الأهالي- وقد قامت هذه الحملة بالهجوم علي منطقة عشش السلام في تمام الساعة 7.30 مساءا وبعد ساعتين من مصرع معاون المباحث، وقد قامت تلك القوة بمداهمة عشش DSC01133الأهالي وحرقها كلية فضلا عن تدمير وحرق ممتلكاتهم دون أي إنذار أو اعطاء مهلة للسيدات والذين يمثلون الغالبية الكاسحة من سكان العشش لمغادرتها، فضلا عن حرق الماشية والأغنام التي يمتلكها الأهالي والتي تمثل مصدر رزقهم الأساسي الذي يتعيشون منه إلي جانب ما يتحصلون عيه من تدوير القمامة. وخلال تلك الأحداث قامت قوات الأمن بقتل مواطن يدعي  ” سويلم عودة سليمان” ويبلغ من العمر 65 سنة بعد تصديه لهم معللين ذلك بأنه المسئول عن مقتل زميلهم.

ووفقا لروايات الأهالي فقد جاءت تلك القوة للانتقام منهم عقابا لهم علي مقتل معاون المباحث، حيث قاموا بحرق جميع العشش وإطلاق النار الحي عليهم بطريقة عشوائية، فضلا عن الاعتداء عليهم بالضرب بالعصى وكعوب البنادق وهو ما أدي لإصابة العديد من النساء من سكان العشش بإصابات وكسور متنوعة. وقد حفلت تلك “التجريدة” بنوع آخر من الانتهاكات تمثل في التحريض علي اغتصاب النساء المتواجدات بالعشش، حيث أشارت العديد من الشهادات إلي أن ضباط القسم كانوا يحرضون البلطجية وأمناء الشرطة علي الاغتصاب مكافأة لهم علي “همتهم” في التعدي علي النساء والأطفال العزل، وذلك بقولهم “البنات اهيه الى نفسه فيهم يجى يخدهم واللى يشتهى بدويه فهى له”.

وبالإضافة لسلسلة الانتهاكات السابقة حرص ضباط الشرطة المشاركين في التجريدة علي تدمير المنطقة كلية، حيث منعوا عربات المطافيء التي بادر عدد من الأهالي بالاستنجاد بها لاخماد الحريق من دخول المنطقة وذلك عبر اطلاق الرصاص الحي علي عربات المطافيء، كما قاموا بمنع الأهالي من سكان المنطقة والسيارات من المرور وقاموا بإغلاق الطريق من الجانبين، فضلا عن حفلات إطلاق الرصاص العشوائي في الهواء والتي استمرت عدة أيام متعاقبة.

 ولاحقا وعقب استنجاد أهالي المنطقة بعدد من المنظمات الحقوقية لاغاثتهم من توحش قوات الأمن، قامت تلك الأخيرة بتوعد الأهالي وهو ما تحقق بالفعل، وفقا لرواية الأهالي الذين يتهمون قوات الأمن بتحريض البلطجية علي اختطاف صبية تدعي “سمر حامد” وتبلغ من العمر خمسة عشر عاما وذلك مساء الجمعة الموافق الخامس من شهر ابريل الحالي.

وبعيدا عن التوصيف القانوني لتلك الانتهاكات والتي تنسخ بشكل حرفي كود العقوبات المصري من قتل وترويع وحرق ممتلكات وتحريض علي الاغتصاب وخطف لقاصرات وغيره الكثير، تمثل تلك الممارسات انتهاكا سافرا لمبادئ القانون الدولي الإنساني الذي يحظر كافة أشكال وممارسات العقاب الجماعي، كما تمثل انتهاكا صارخا للعديد من المواثيق والعهود الدولية التي صدقت عليها الحكومة المصرية والتي تعد بالتالي جزءا من التشريعات الداخلية وفقا لنص المادة (143) من الدستور المصري، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي ينص في المادة رقم (3) علي أن “لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان علي شخصه”، والمادة رقم (5) والتي تشدد علي أنه “لا يجوز اخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة من الكرامة” وهو المعني ذاته الذي أكدت عليه المادة رقم (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية.

وفي السياق ذاته تشكل تلك الممارسات انتهاكا سافرا للمبادئ والمعايير الدولية المنظمة لعمل قوات الأمن والمتمثلة في مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون والصادرة بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 34/169 في 17 ديسمبر1979، والتي تنص في المادة رقم (3) علي أنه “لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون إستعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوي وفي الحدود اللازمة لأداء واجبهم”، وهو ما يعني أن إستخدام القوة يجب أن يكون أمرا استثنائيا (التعليق العام 3/أ)، وأن يراعي مبدأ التناسبية (التعليق العام 3/ب)، مع التأكيد علي أن استخدام DSC01141الأسلحة النارية يعد تدبيرا أقصي ولا ينبغي اللجؤ إليه إلا بعد استنفاذ كل جهد ممكن لتلافي استعماله (التعليق العام 3/ج)، إضافة إلي انتهاكها للمادة رقم (5) من المدونة والتي تنص علي أنه ” لا يجوز لأي موظف من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يقوم بأي عمل من أعمال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو أن يحرض عليه أو أن يتغاضى عنه، كما لا يجوز لأي من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يتذرع بأوامر عليا أو بظروف استثنائية …. لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”، وهي المادة التي تستند إلي الإعلان الذي اعتمدته الجمعية العمومية للأمم المتحدة بشأن “حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية او المهينة” والذي يعرف التعذيب باعتباره “أي عمل ينتج عنه ألم أو عناء شديد، جسديا كان أو عقليا، يتم إلحاقه عمدا بشخص ما بفعل أحد الموظفين العموميين أو بتحريض منه، لأغراض مثل الحصول من هذا الشخص أو من شخص آخر على معلومات أو اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، أو تخويفه أو تخويف أشخاص آخرين.”

بالتوازي مع ما سبق تمثل تلك الممارسات انتهاكا صارخا لتعهدات والتزامات الدولة بالمواثيق والاتفاقيات الدولية، خاصة الإتفاقية رقم (107) الصادرة عن منظمة العمل الدولية والمتعلقة “بشأن حماية السكان الأصليين وغيرهم من السكان القبليين وشبه القبليين وإدماجهم في المجتمع العام للبلدان المستقلة” والتي صدقت عليها الحكومة المصرية بتاريخ 4/1/1969، فعلي الرغم من أن الإتفاقية في جوهرها تهدف إلي إلزام الدول الأعضاء بحماية الهوية والخصوصية الثقافية لتلك الشعوب، مع إيلاء درجة ما من الأولوية لتنمية مجتمعاتهم ومناطق استقرارهم فيما يشبه التمييز الايجابي، إلا أن هذه المجموعات غالبا ما تعاني من الوصم والتمييز من قبل السلطات التنفيذية والأمنية، وهو الأمر الذي تجلي بشكل صارخ في أحداث عشش السلام باعتبار أن سكانها من البدو الرحل الذين ينتمون في غالبيتهم لعدد من القبائل العربية، خاصة قبيلة الحويطات. فمؤسسات الدولة وفي مقدمتها الداخلية تتعامل مع تلك الفئات المهمشة بشكل غير آدمي، فهم في منظور أحد عناصر الشرطة السرية التي صاحبت الزيارة التي قام عدد من ممثلي منظمات المجتمع المدني ” عالم زبالة، ولازم ننضف المكان منهم”، وهو ما يتبدي جليا في وضعهم المعيشي المزري، وكأن الفقر والتهميش وصمة عار ويجب التخلص منها ومنهم، وهو التحذير ذاته الذي ورد في تقرير المقرر الخاص للحق في الحصول علي المياه وخدمات الصرف الصحي والذي صدر في يوليو الماضي 2012 تحت عنوان “الوصم وإعمال حقوق الانسان في الحصول علي المياه وخدمات الصرف الصحي”، حيث أكد التقرير علي أن “الوصم يدفع بالناس إلي هامش المجتمع، حيث يتم رفض مجموعات معينة وتهميشها وتجنبها والتقليل من شأنها وسلبهم صفة الانسان بسبب هويتهم العرقية أو الإثنية أو الدينية أو الطبقية، وقد ذكر التقرير تحديدا الشعوب الأصلية وقبائل البدو الرحل وشبه الرحل مما يؤدي لاستبعادهم اجتماعيا وإنكار حقوقهم الإنسانية الأساسية، حيث يتم دفعهم واجبارهم علي العيش في هوامش المدن والقري”.

وإذا كان إفلات هذه التجاوزات من المساءلة والمحاسبة يؤذن بتأبين دولة القانون التي يهدرها النظام الحاكم كقربان لعودة الشرطة، أو بالأحري عودة هيبتها المزعومة، فإن استشراؤها يمكن أن يأكل الأخضر واليابس حين يجتمع الجوع والقهر ليحفر مسارا جديدا للثورة المصرية المغدورة.