الفصل التعسفي بين العام والخاص

الملاحظات الختامية على التقريران الثالث والرابع للمغرب
أغسطس 1, 2008
الملاحظات الختامية للتقريرين الاول والثاني للسعودية
أغسطس 1, 2008

يحرص الناس في مصر على فض النزاعات التي قد تحدث في الشارع بين أي اثنين؛ وهي نزاعات أصبحت تأخذ في السنوات الأخيرة أشكالا أكثر عنفا؛ ربما بسبب حالة الاحتقان العامة الناتجة عن سياسات ظالمة، أو لأسباب متعلقة بالفوضي العارمة التي أصبحت مفروضة علي جميع جوانب حياتنا، أو أن الأمر يرتبط بنماذج البلطجة الفردية والجماعية التي تسيطر على المجتمع وفعالياته، أم أن المسألة تعود إلى التلوث البيئي الذي كاد يخنقنا ويقضي على أنفاسنا حتى غدا تنفسنا الوحيد هو الهجوم علي الآخر. ومهما كانت الأسباب منفردة أو مجتمعة، فإن ما يحدث في معظم الأحوال عندما نجد رجلا يعتدي على امرأة في الشارع أو في المجال العام، ويعترض الناس على ذلك، ثم يقال لهم إن هذه السيدة زوجته أو ابنته أو شقيقته، ينفض الناس من حول المشهد، لأن المسألة تدخل في إطار ما يسمي بالمجال الخاص؛ وهو مجال ينظر إليه باعتباره يخضع لقواعده التي ليس من حق طرف خارجي أن يمسها أو يقترب منها.
وينطبق المنطق نفسه على مجموعة القوانين المنظمة لحياة الناس؛ فعلي الرغم من أن الدستور المصري ينص علي المساواة بين البشر، وأن مصر قد وقعت علي عديد من الاتفاقيات والعهود الدولية التي تحمل هذا المعني، والتي من أهمها بالنسبة للنساء اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة، لا تخلو القوانين المصرية من حالة الانفصام تلك بين ما هو عام وما هو خاص. فقد أقر المشرع المصري بحق الاقتراع للنساء منذ عام 1956، وهو تاريخ سابق بالنسبة لعديد من البلدان الأخري، ولا سيما بعض البلدان الغربية. وفي مجالي العمل والتعليم، يمنح القانون حقوقا متساوية للذكور والإناث. وإنما حينما نقترب من المجال الخاص، وبمعني أكثر تحديدا العلاقات الأسرية، نجد الجهات التشريعية تنتفض هلعا، ولا يختلف في ذلك من يمثلون الحزب الوطني عمن يسمونهم بالجماعة المحظورة. وهو ما بدا واضحا عند مناقشة مسودات نصوص، مثل الخلع، والزواج العرفي، وسفر الزوجة دون إذن، ومؤخرا قانون الطفل؛ وهي مجرد أمثلة للتدليل وعلى سبيل التذكير للقارئ أما فيما يتعلق بالقوانين الموجودة فعليا، فهي مليئة بأشكال من التمييز وعدم المساواة، بدءا بقوانين الأحوال الشخصية، وصولا إلى العقوبات الخاصة بجريمة الزني.
مع هذه الازدواجية في المعايير، سنجد أن المساواة المكفولة للنساء في المجال العام لا يمكن أن تكون إلا شكلية؛ ذلك أنه يمكن القول باختصار شديد أن هذا الفصل المتعمد يحدث في حين يمثل المجالان امتدادا لبعضهما البعض، وأن ما يحدث في الحياة الخاصة ينعكس علي الحياة العامة، والعكس صحيح؛ فمع أن القوانين لا تفرق بين النساء والرجال من حيث الأجور، هناك عدد من الممارسات التمييزية التي تحدث في أماكن العمل -علي سبيل المثال -والتي تساهم في تعميق فجوة الدخل فيما بين الإناث والذكور، والتي يدخل في إطارها عجز النساء عن المشاركة في اتخاذ القرارات حيث غالبا ما يحتل الرجال المراكز القيادية والإشرافية في أماكن العمل -حتي تلك التي تعتمد أساسا علي عمالة نسائية – كما هو معمول به في الإطار الأسري؛ وهو ما ينتج عن النظرة الدونية للمرأة بصفة عامة، والشك في قدراتها، واعتبارها تابعة للرجل، الخ. الأمر نفسه يحدث في منظمات المجتمع المدني، وفي الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية والعمالية، وفي الانتخابات العامة، ومع ذلك، على الرغم من أهمية القوانين والإطار التشريعي المصاحب لها، فإن المسئولية الكبري ترتبط فيما يتعلق بالنساء بالإطار الثقافي الاجتماعي؛ فحتى مع وجود بعض القوانين الإيجابية، كثيرا ما نجد فجوات علي مستوي التطبيق، والتفسير؛ فما يمكن أن ننتظره من الشخص الذي ينفذها إذا كان يحمل نظرة متدنية للنساء، ويؤمن بالفكر التراتبي والذكوري، ويعتبر أن هناك مجالين يجب الفصل بينهما؟

نولة درويش

ناشطة حقوقية

البديل
27/07/2008