رصدت المبادرة المصرية في خلال الأسابيع القليلة الماضية عددًا من الحالات قام فيها عمال بإنهاء حياتهم أو حياة المقربين منهم، يأسًا من الحصول على حقهم في العمل والحياة الكريمة، في ظل تخلي الدولة عن التزاماتها بحماية حقهم في العمل خصوصًا في فترة تزداد فيها معدلات البطالة و تتناقص فرص العمل.

 

ففي واقعة شديدة الدلالة على أزمة الباعة الجائلين في مصر، توفي حسين حلمي فضل بهجت ـ الشهير بحسين جاتوه،  إثر إصابته باكتئاب حاد أدى الى ذبحة صدرية أودت بحياته، وذلك بعد أن قام بإشعال النار بنفسه أمام زملائه من الباعة في سوق محطة مترو المرج الجديدة.

 

حسين ـالذي بلغ من العمر 48 عامًاً- كان يبيع الجاتوه من خلال إحدى السيارات التي وفرتها وزارة التموين والتجارة الداخلية عبر مشروع شباب الخريجين ببنك ناصر، وكان يمارس نشاطه أمام محطة مترو المرج الجديدة منذ عام 1989. إلا أنه في الشهور الأخيرة بدأت مضايقات شرطة المرافق للبائع بدعوى أن مشروع شباب الخريجين “توقف”. وطبقًاً لرواية طارق فؤاد نائب رئيس النقابة المستقلة للباعة الجائلين بالقاهرة، قام رائد بشرطة المرافق (يُدعى هشام يسري) بأخذ إتاوة 600 جنيه من البائع حسين للسماح له بالعودة لمزاولة تجارته أمام محطة المترو.

 

ومع ذلك فقد استمر تعسف هذا الرائد في مضايقة حسين، وأصّر  على مصادرة بضاعته وقام بضربه وتكسير عربته،  فكان رد فعله هو  سكب الكيروسين على نفسه و إشعاله،  ما أدى إلى إصابته  بحروق في 30% من جسمه، نقل  بعدها إلى مستشفى اليوم الواحد بعزبة النخل ثم إلى مستشفى السلام العام بمدينة السلام .

 

وطبقا لرواية خالد حلمي شقيق حسين، فقد قام مأمور قسم المرج  بانتزاع توقيع حسين قبيل وفاته على ورقة تخلي مسئولية الرائد عن الواقعة، دون مراعاة لحالته في أثناء تلقيه العلاج بالمستشفى. كما قام بمنع الصحفيين من  تصويره  في مستشفى السلام،  إلا بإذن من وزارة الصحة، في محاولة للتعتيم على الحادثة. وأشاع ان حسين بائع جائل كان يزاول نشاطه أمام قصر الاتحادية وأقدم على اشعال النار في نفسه بعد أن جاء من الاتحادية الى المرج، وهو أمر عار تماما عن الصحة.

 

وجدير بالذكر  أن حالة حسين جاتوه لم تكن الوحيدة في خلال الفترة الماضية التي تعبر عن هذه الدرجة من اليأس و الإحباط. ففي الذكرى الثانية لثورة 25 يناير انتحر يحيى محمود (24 عامًا) العامل بالشركة العربية لأنابيب البترول “سوميد”، بقطاع العين السخنة، اعتراضًاً على عدم تثبيته بعد خمسة أعوام من الخدمة في الشركة بأجور مجحفة كان في خلالها يعمل عن طريق مقاول.

 

كما قام سامح عبد السلام ـ العامل بنفس الشركة- بعد تلك الواقعة بشهرين تقريبًاً بإشعال النار في نفسه ليأسه بسبب  تجاهل إدراة شركة سوميد وحكومة هشام قنديل إضرابه مع زملائه من العمالة المؤقتة، والذين يطالبون بحقهم في التثبيت بعد فترة عمل تجاوزت  لدى بعضهم عشرين عامًا . كان الإضراب  قد تجاوز 42 يومًاً  بلا استجابة من أي مسئول قبل أن يقوم  سامح بإشعال النار  بنفسه .

 

وفي نفس الإطار، كاد مواطن أن يلقي ابنه من أعلى دار القضاء العالي في خلال وقفة احتجاجية لعشرات العاملين بالشركة الدولية للمنتجات الورقية ومواد التعبئة “انكوباب”، أمام مكتب النائب العام للمطالبة بإصدار قرارًا بضبط وإحضار صاحب الشركة فريد وديع طوبيا، الذي هرب منذ أشهر خارج مصر بعد حصوله على قروض من البنوك لم يسددها.  ورفع العمال لافتات يؤكدون فيها عدم صرف مستحقاتهم منذ نحو 10 شهور- ما يعني عمليا عدم قدرتهم على إعالة أسرهم – مطالبين النائب العام بانتداب مجلس إدارة للشركة بعد أن تم إغلاقها لعدم وجود من يديرها.

كل تلك الوقائع تشير الى أن: العدالة الاجتماعية التي كانت في مقدمة مطالب ثورة 25 يناير لا تزال بعيدة المنال. إن ثورة ألهمها اضرام محمد بو عزيزي البائع المتجول للنار في نفسه يأسا، لايزال عمالها يشعلون النار في أنفسهم في ذات دائرة اليأس.

 

وتشير المبادرة المصرية إلى نمط التخاذل الذي يتسم به أداء الحكومة إزاء حقوق العمال. فمازال التوجه العام  للحكومة على انحيازه لصالح  أصحاب الأعمال على حساب حقوق العمال وبخاصة في ظل القانون رقم 12 لعام 2003، و الذي تم اقراره بمعزل عن العمال ودون التشاور مع اتحادات ممثلة لهم  بحق. هذا الإطار التشريعي يغفل الكثير من حقوق العمال مثل شروط تثبيت العمالة المؤقتة أو  كيفية التعامل مع صاحب العمل الذي يتعمد تعطيل العمل، الأمر الذي يعصف بحياة الآلاف من العمال ويدفع بهم الى اليأس على النحو الذي تشير إليه الوقائع التي سبق ذكرها.

 

أيضًاً، بدلًا من معالجة أزمة الباعة الجائلين، تستمر نظرة مؤسسات الدولة القاصرة  لهم كظاهرة يجب قمعها بدلًا من معالجتها بشكل يضمن حقهم في العمل، عن طريق إيجاد حلولا شاملة اقتصادية و سياسية و اجتماعية. فلا يزال الاطار التشريعي الذي يحكم عمل الباعة الجائلين – وبخاصة القانون رقم 33 لسنة 1957- لم يمس منذ أكثر من خمسة و خمسين عامًاً إلا فيما يخص تغليظ العقوبات و الغرامات، كما حدث في عامي 1981 و 2012.

وتؤكد المبادرة المصرية أن وقف تلك الانتهاكات والتعديات على الباعة الجائلين، ومعالجة تلك الأزمة برمتها لن يتم إلا عبر مناقشات جادة تصل بنا إلى أطر تشريعية جديدة تحمي حق الباعة الجائلين في العمل، وتمكنهم من الحصول على تراخيص لمزاولة عملهم عبر قنوات واضحة وسلسة في إطار تنظيم عادل للمساحة العامة بين كافة الأطراف المعنية.