شرطة الفضيلة إدارة مكافحة البنطلون

نقاش الكتروني: مشاركة النساء في المحليات
أغسطس 19, 2009
ربيعة قدير مناضلة من أجل شعب
أغسطس 26, 2009


كتب إسماعيل حسنى- عن روز اليوسف
من سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة إلى لبنى وأخواتها

كما انهارت أعظم المدنيات في التاريخ تحت ضربات القبائل البربرية والبدوية، أصبحنا نخشى على ما تبقى من المدنية العربية أن تسحقها الهجمة البدوية المعاصرة. إن جماعات الإسلام السياسي البدوية النشأة والعقيدة والتمويل لن تتوقف حتى تقضي على الأخضر واليابس في بلادنا.

فبعد أن سمحت الأنظمة المستبدة لهذه الجماعات من إخوان وسلف وجهاد بالإنتشار في مجتمعاتنا، لاستخدامها في استقطاب الجماهير بعيدا عن الحركات والأحزاب السياسية المعارضة، وتغييب عقول الناس عن قضاياهم الحقيقية في الحرية والتنمية والإزدهار، إلى قضايا غيبية كالحجاب والنقاب والسحر وتفسير الأحلام والجن والعفاريت وبول الإبل ورضاع الكبير، من أجل القضاء على أي أمل في ظهور مجتمع مدني قوي وقادر على استخلاص حقوقه من هذه الطغم الحاكمة، تكاثرت هذه الجماعات وانتشرت كالخلايا السرطانية في خلايا المجتمع.

وبعد ثلاثة عقود مما سمي بالصحوة الدينية المباركة، بدأت آثارها المدمرة تظهر الواحدة تلو الإخرى، من إسقاط الإسلوب العلمي من سلم القيم لحساب الخرافة والشعوذة، إلى انهيار البحث العلمي وخروج جامعاتنا من التصنيف العالمي، إلى تدمير المنظومة الأخلاقية نتيجة للتدين البدوي الذي لا يستطيع بحكم سطحية ثقافته أن يخاطب جوهر الإنسان ولا عقله ولا احتياجاته بل يدور حول المظهر الخارجي والغرائز الحيوانية، وأخيرا استطاعت هذه الجماعات الإستيلاء على الحكم في بعض البلاد كالسودان وغزة بعد انقلابات دامية، وبدأت في مسخ شخصية المواطن العربي، وتحويله من فرد حر مستقل قادر على الإختيار إلى عضو في قطيع عليه السمع والطاعة، وتوالت المشاهد المفزعة.

كانت الخطوة الأولى التي اتخذتها الجماعة الحاكمة في كل من السودان وغزة، هي إنشاء شرطة للفضيلة تقوم بالتجسس على الناس، ومراقبتهم، وتتبع عوراتهم، وانتهاك حرماتهم، فالإسلام البدوي لا يعترف بما يسمىبالحريات الشخصية أو الخصوصية، ناهيك طبعا عن الحريات السياسية التي تعتبر نكتة مضحكة في هذه الأنظمة. فجميع تصرفات الإنسان يجب أن تكون حسب النموذج الإيديولوجي للجماعة الحاكمة، وإلا تعرض للضبط، والإحضار، والسجن، والإهانة، ثم المحاكمة التي تنتهي غالبا بعقوبات بدنية كالضرب والجلد والقطع.

ولقد اتخذت هذه الشرطة من هيئة الأمر بالمعروف السعودية أسوة ونموذجا، وتدربت كوادرها على أيدي رجال الهيئة الذين يذوق الشعب السعودي الأمرين على أيديهم. فالضبط والملاحقة والإهانة والضرب تحدث لأهون الأسباب، مثل عدم إغلاق المحلات وقت الصلاة، أوالتأخر عن صلاة الجماعة، أو لتفتيش التليفونات المحمولة بلا أمر قضائي. ولأي عضو في الهيئة الحق في إيقاف أي سيدة في الطريق لا تروقه ملابسها، أو لسؤالها عمن يسير معها، ولهم أيضا إقتحام البيوت في أي وقت للتأكد أن هذا الإجتماع أو تلك الحفلة لا تقدم فيها كحوليات وليس بها أي ممارسات محرمة. ولكي ندرك حجم القهر والإستعباد اللذان يعيش الشعب السعودي في ظلهما يكفي أن نقرأ ما أعلنته هذه الهيئة الموقرة من ضبطها 390 الفا و 177 مخالفة متنوعة خلال عام واحد، منها 300 الف و 825 مخالفة عبادة، حيث أن مهمة الدولة هناك هي إدخال المواطنين جنة الخلد رغم أنوفهم. ولقد تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارسات هذه الهيئة في السنوات الأخيرة، وتعددت حوادث الإعتداء على رجالها بالضرب أو القتل، وكانت أشهر تلك الحوادث التي وقعت في جامعة اليمامة منذ أسابيع، عند إقامة أول عرض مسرحي في تاريخ المملكة، حيث دخل حوالي مائة من رجال الهيئة، واحتلوا الصفوف الأولى، وبدأوا في التشويش والتكبير، مما استفز الطلاب، ودارت معركة استخدم فيها كل ما طالته الأيدي، وبدأت هيبة الهيئة في التراقص على وقع لكمات الشباب السعودي الحر.

هذا النموذج الهمجي الفوضوي واللاإنساني، تم استنساخه ثلاثة مرات في السنوات الأخيرة، مرة في أفغانستان على يد حكومة طالبان، ثم في السودان على يد حكومة الإنقاذ، ومؤخرا في غزة بعد أن قامت حركة حماس بالسيطرة عليها. ولا يمر إسبوع دون أن تطالعنا الأنباء بما يندى له الجبين.

ففي السودان الشقيق، قامت شرطة الفضيلة بإلقاء القبض على الصحفية اللامعة “لبنى ،أحمد حسين”، بتهمة ارتداء بنطلون، أثناء وجودها في احتفال عام يحضره ثلاثمائة شخص، حيث قام رجال الشرطة باقتحام المكان، وعزل الفتيات اللاتي يرتدين البنطلون، واقتيادهن كالعاهرات إلى المخفر، حيث تم عرضهن على النيابة وتحويلهن للمحاكمة. علقت لبنى على هذه المهزلة قائلة: الحمد لله أننا ضبطنا في مكان عام بتهمة ارتداء بنطلون وبلوزة، وليس في مكان خاص بدون بلوزة وبنطلون. ولقد وجهت لبني دعوة مطبوعة للصحفيين والصحفيات لحضور جلسة المحكمة المرتقبة وأردفت في الدعوة أن الجميع مدعوون أيضا لحضور حفلة الجلد إذا ما أدانتها المحكمة. حيث أن سوابق الأحكام في قضايا البنطلون في السودان والتي طالت آلاف الفتيات كانت دائما أربعين جلدة، هذا بالإضافة إلى وصمة العار التي تلحق إلى الأبد بفتاة ألصقت بها تهمة ارتداء ملابس مخلة بالآداب العامة.

وليس الحال في غزة بأفضل منه في السودان، فالصحفية والروائية الفلسطينية “أسماء الغول”، ضبطت على شاطئ غزة مع زملاء وزميلات، بدعوة من صديق وزوجته، لقضاء بعض الأوقات على شاطئ غزة، فألقي القبض عليها من قبل شرطة الشاطئ بتهمة السباحة بالزي غير الشرعي، والضحك بصوت عال أثناء السباحة “دون أدب وبكل وقاحة، ودون وجود أحد من أهلها أو أقربائها معها” كما جاء في نص البلاغ !! كما وجهت للجميع تهمة الاختلاط غير المشروع رغم وجودهم في مكان عام. وهذا الذي حدث مع أسماء يتكرر يوميا عشرات المرات، ويلقي الرعب والإزلال في قلوب المواطنين البسطاء في غزة.

أهذا هو الإسلام الذي أنزل على محمد (ص)؟ أوهكذا أمر الله ورسوله بالتجسس على الناس، وانتهاك حرماتهم، والتعدي على خصوصيتهم، واتهامهم في شرفهم، والإساءة لسمعتهم؟!!!

دعونا نلقي نظرة على أحوال بنات الصحابة، وبنات بيت النبوة، وكيف كان المجتمع يتعامل معهن، ومع ملابسهن، وسلوكياتهن، مما جاء في كتب التراث الثقات التي لايقدح فيها أحد. لنرى بأنفسنا الفارق الكبير بين دين الإسلام ودين الصحراء. وسنكتفي هنا بأن نضرب مثلا بريحانتي قريش، سكينة بنت الحسين حفيد رسول الله، وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله، أو طلحة الخير الذي افتدى الرسول، وأحد المبشرين بالجنة.كان جمال سكينة يأخذ الألباب، فحين رآها أبو هريرة قال: سبحان الله كأنها من الحور العين. وإلى جانب الجمال اشتهرت سكينة بالتأنق في ملابسها، وكانت نساء المدينة يقلدنها في أزياءها، خاصة تسريحة شعرها المبتكرة التي سميت ﺒ”الطرّة السكينية”. واختلفت الروايات في عدد أزواج سكينة ووصلت إلى ستة أزواج أشهرهم مصعب بن الزبير.

كما عرفت سكينة بطول باعها في الأدب والشعر، وكان بيتها في المدينة صالونا أدبيّا تستقبل فيه الشعراء والرّواة والمطربين الذين كانوا يمكثون في ضيافتها أياما وليالي، وكانت تطارحهم قصائد النسيب وتجادلهم في أشعارهم، ومنهم المطرب البغدادي الشهير حنين النصراني، والشاعر الماجن الأشهر عمر ابن أبي ربيعة الذي قال فيها شعرا كثيرا، منه قصيدته الشهيرة التي مطلعها:

قالت سكينة والدموع ذوارف منها على الخـدين والجلبابأما عائشة، فيروي ابن إسحاق عن أبيه: دخلت على عائشة بنت طلحة وكانت تجلس وتأذن كما يأذن الرجال. وقال لها أنس بن مالك: إن القوم يريدون أن يدخلوا اليك فينظروا إلى حسنك، قالت: أفلا أخبرتني فألبس أحسن ثيابي. ويصفها الذهبي بأنها كانت أجمل نساء زمانها وأرأسهن، وأن حديثها مخرج في الصحاح (أي أنها من العدول) ، وعندما عاتبها زوجها مصعب بن الزبير علي تبرجها الشديد قالت له: “إن الله وسمني بمسيم الجمال فأحببت أن يراه الناس، فيعرفوا فضلي عليهم، وما كنت لأستره”.

أي أن سكينة وعائشة وبالتأكيد غيرهما من بنات الصحابة كن يحيين حياة أي امرأة عصرية ذات حسب وشرف وثقافة في زماننا، ولم ينكر عليهن ذلك أحد، لا من فقهاء المدينة السّبعة ومنهم ابن عمر، ولا من رجال بيت النبوة وعلى رأسهم الإمام علي زين العابدين بن الحسين أخو سكينة، ولا أمرهما أحد بالحجاب أو بعدم الإختلاط بالرجال. كما لم يكن ،واقع المجتمع في زمن النبوة والصحابة كما يصوره لنا السادة المتطرفون، حجاب، وجلباب، واكتئاب، ونساء كالغفر ممنوعات من التجمل والتزين. وبالتأكيد لم تكن هناك شرطة للفضيلة.

فما الذي يفعله بأهلنا في السودان وغزة هؤلاء المتطرفون الوهابيون؟ وإلى أية مرجعية يستندون؟ وما الذي يتبقى من الإنسان إذا فقد حريته، وأهينت كرامته، وجرى إذلاله بين الناس؟ إن هؤلاء يصدق فيهم قول الله “وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون”. ولا حول ولا قوة إلا بالله.