ليلى واحدة تنتحر كل أسبوع

هاني نعيم- بيروت
مدونة : هنيبعل يتسكع في الارجاء

قصة أرلين
مضى عشر سنوات. تتأمّل أرلين التي تبلغ الواحدة والاربعين من عمرها، والقادمة من مانيلا الفيليبينيّة، بالوقت الذي قضته في خدمة إحدى العائلات اللبنانيّة، وتخاله كأنّه قرون. لم تعد تذكر أرلين أي يوم تحديداً تركت فيه بلادها. ما علق في ذاكرتها صورة عناق زوجها وابنتها التي لم تتجاوز الثالثة عشر.

تلجأ لهذه الصورة يوميّاً، قبل نومها عند الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، فهي أكثر مكان آمن لها.وخلال هذه الفترة، لم تستطع أرلين زيارة عائلتها لأن رب عملها قام بإخفاء جواز سفرها منذ مجيئها.

***
قصة سيلفا
تهمس سيلفا، الفتاة العشرينيّة والآتية من سريلنكا، أثناء حديثها عن ما تعرّضت له من تعذيب على يد رب عملها وزوجته. تهمس خوفاً من أن يسمعوها ويعيدوا الكرّة.
تناوبوا على ضربها لمدّة نصف ساعة. لكموها على وجهها، يديها، صدرها، معدتها، ورجليها.. حتّى غابت عن الوعي.
استيقظت، على آلام تأكل جسدها، لتجد نفسها على أرض الحمام المغلق عليها.
هذه ليست المرّة الأولى التي تتعرّض فيها سيلفا إلى هذا الضرب، فهو أصبح جزءاً من حياتها التي تحوّلت لجحيم بعد مجيئها إلى بلاد “الأرز والرسالة”.

***
قصّة إيما
لم تكن تعلم إيما، الآتية من سريلنكا، بأنّ ما رسمته من أحلام مستقبليّة حول “الهجرة. العمل. جمع الاموال في لبنان” هي مجرّد “طعم” لجلبها إلى “الجحيم”.
أنهت إيما دراساتها الجامعيّة، ولكنّها كالكثيرين من أبناء جيلها لم تجد عملاً يكفي قوتها اليومي. عندها تركت حبيبها الذي وعدته بالعودة مع مال يكفي بناء عائلة.
بعد مضي ستة أشهر على مجيئها إلى لبنان، بدأت إيمّا تبحث عن أقرب فرصة للعودة إلى بلادها.
ولكن الأمور لم تجري كما كانت تحلم. ففي أحد الأيام، وأثناء زيارة ربّة المنزل لشقيقتها في قرية نائية بعيداً عن بيروت، قام ابنها الأكبر بتخدير إيما، ومن ثم اغتصابها.
فجأة، كل مخططاتها انهارت. لم يعد باستطاعتها الزواج بحبيبها، خصوصاً وأنّ ثقافة مجتمعها ترفض الفتاة التي تفقد عذريّتها.
إيما أرادت، على طريقتها، وضع حداً لمعاناتها. فانتحرت في غرفتها الصغيرة، متناولةً سائل تنظيف، وإلى جانب جثتها الضعيفة تركت رسالة إلى حبيبها، الذي لن تعود إليه.

***
عنصريّة اللبناني في أرقام!
تشير تقديرات السفارات المعنيّة إلى وجود حوالي 200 ألف عاملة أجنبيّة في لبنان، موزعات على: 80 ألف مواطنة سيرلانكية، 25 ألف مواطنة فيلبينية، و25 ألف مواطنة إثيوبية، إضافة لجنسيّات اخرى.
يبلغ راتب العاملة السيرلانكية 180 دولاراً أميركياً في الشهر، فيما راتب الأجيرة الأثيوبية 150 دولاراً. أما العاملة الفيليبنيّة فهي تتقاضى الأجير الأعلى بين العاملات، نظراً لمستوى التعليم الذي تتمتع به، وغالباً لإتقانها اللغة الانكليزية.
وبينت أرقام سوء معاملة العمالة الأجنبية في لبنان، حسب تقرير منظمة “هيون رايتس ووتش” نشر العام الماضي، عن أنّ عاملة أجنبيّة على الأقل تنتحر كل أسبوع لأسباب تعود إلى ظروف العمل وقساوته. وأشار التقرير إلى وجود 100 ألف عاملة يتعرضن للقدح والذم، 60 ألفا إلى 70 ألفا يتعرضن لعقاب جسدي، و10 إلى 20 ألفاً يتعرضن لاعتداء جسدي وجنسي.
وتتدرّج الإساءات التي تتعرض لها العاملات من العزوف عن دفع بدل أتعابهن، مثل إحدى العاملات التي لم تتقاض راتبها منذ ثماني سنوات، أو التأخر عن تسديد أجورهن لشهور طويلة، كما وتعمل أكثر من نصفهنّ لاكثر من 12 ساعة في اليوم، وأكثر من ثلثهن يعانون من انعدام “يوم العطلة” من رزنامتهم الأسبوعية. والأغلبية الساحقة من عاملات المنازل يتم حجز جواز سفرهن من قبل أرباب العمل.عدا الاحتجاز في البيت ومنعهنّ من الخروج لقضاء وقتهم مع أصدقائهنّ وزميلاتهنّ. حتّى أن بعض أصحاب العمل يلجأون إلى حرمانهنّ من أبسط حقوقهنّ باستخدام الهاتف والبريد للتواصل مع عائلاتهنّ.
من جهة اخرى تكاد أخبار الاعتداء على العاملات الأجنبيات في المنازل لا تغيب عن صفحات الجرائد اليوميّة اللبنانيّة، وحتى عن الجرائد الفليبينيّة والأثيوبيّة والسريلنكيّة التي بدأت تهتم أخيراً بأخبار مواطنيهم خارج البلاد.
ويصل يوميّاً إلى السفارة السريلنكيّة ما لا يقل عن 25 إلى 30 شكوى عن سوء معاملة وإيذاء وضرب وامتناع عن دفع الرواتب وصولاً إلى الاغتصاب. هذا وتم استحداث مركز للمساندة، في العاصمة السيرلانكية كولومبو، لمساندة العاملات العائدات بحالات نفسية وجسدية صعبة، وحالات تحرش جنسي، حتّى ان كلما تصل طائرة من الشرق الأوسط تكون هناك سيارة إسعاف في انتظارها على أرض المطار.

***
من الاعتصام المدني
خلاصة
هذه الارقام المخيفة دفعت عدد من الجمعيات المدنيّة، قبل عدّة أشهر، في اليوم العالمي للمرأة، للتحرّك ولو بشكل رمزي للإضاءة على الانتهاكات الإنسانية التي تصيب العاملات الأجنبيات في لبنان، في شارع الحمرا، في بيروت.
ورغم الإشكاليّات الاجتماعية والاخلاقية التي تطرحها هذه المسألة، فالنقاش حولها شبه غائب عن الإعلام اللبناني، لولا بعض الجرائد اليوميّة التي تضيء بين فترة وأخرى على المشكلة من جوانب متعددة.
كما ويدّعي البعض أن المشكلة تكمن في غياب القوانين التي تنظّم عمل هؤلاء والمؤسسات التي تدافع عن مصالحهنّ. ومن واجب المشرّعين اللبنانيين العمل على تحضير قوانين ومشاريع قوانين تحمي هؤلاء من الاعتداء وتعطيهم حقوقهم كعمّال اجانب في لبنان، وليس فقط مجرّد قوانين تنظّم عملهم.
وفي هذا الشهر، قامت السلطات اللبنانية بسجن امرأة لبنانية بسبب ضربها العاملة الفيليبينية التي تعمل في منزلها. وهي تعتبر من الحالات النادرة التي يقوم فيها القضاء اللبناني بمحاكمة مواطن لبناني أقدم على الاعتداء على عاملة اجنبيّة.
ولكن هل هذا كل شيء؟
من الواضح، أن ما تتعرّض له العاملات الأجنبيّات في لبنان هو ليس مجرّد غياب قانون وقصور النظام السياسي، بل إنّها، من جهّة، احدى تجليّات عنصريّة المجتمع اللبناني وفوقيّته تجاه الشعوب الاخرى، خصوصاً الجاليات القادمة من العالم الثالث، الذي ينتمي إليه لبنان.
يجب الاعتراف، أن ما يعانيه المجتمع اللبناني (وهو جزء من بقعة أكبر، تمتد من المحيط إلى الجحيم)، في هذا الخصوص، هو أنّ المسألة ليست مجرّد عقم سياسي، بل هي أعمق من ذلك بكثير: هي أزمة أخلاقيّة، فكريّة، ثقافية، اجتماعية! والأكثر؟ نرفض الاعتراف بكل ذلك!
(ملاحظة: قصص العاملات الواردة اعلاه هي مجرّد نماذج لآلاف القصص المشابهة)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*