التحرش الجنسي بين النظرية والتطبيق
نوفمبر 2, 2009
مسح 2009 الدولي: تمكين النساء والتنمية .. ارتكازاً على الإقتصاد
نوفمبر 2, 2009

بقلم: عزة كامل
جريدة الشروق
جلست على الطاولة المواجهة لهما. كنت فى انتظار صديقتى لتناول طعام الغداء، وكانا يجلسان متقابلين كل واحد منهما على طرف من المنضدة، أمامهما أطباق متنوعة من الطعام، كان الرجل منهمكا فى الأكل، يرفع رأسه من حين لآخر ليراقب الكتلة التى أمامه المتشحة بالسواد من رأسها إلى إخمص قدميها، فقط فتحتان صغيرتان تطلان من النقاب تسمح لها برؤية الآخرين. كانت تحاول جاهدة أن تدس الطعام فى فمها برفع هذا النقاب الذى يكلبشها، فيسيل ويتنافر الفتات على ملابسها.

تعثرت أكثر من مرة، حدق فيها الرجل بعينين شديدى السواد، جعلها تضع الملعقة فى الطبق وتسدل النقاب على فمها وتكف عن الحركة وتغرق فى السكون. ترى فيما تفكر؟ هل تلوث وجهها بحمرة الخجل، الغضب، أود أن تطالعنى عينيها بلمحة تعكس مشاعرها، ولكن كيف فالعين نفسها محجبة والوجه مكلبش ببرقع أسود.

فجأة غادرت المنضدة ومشت مسرعة وهى تلملم نفسها، مشيت وراءها، كانت متجهة إلى الردهة التى توصل للحمام، ببطء شديد انسالت الكلمات من فمها الذى نزعت عنه لفة القماش السوداء من أجل تنظيفه بالماء، استطعت أن التقط الكلمات بصعوبة، قالت السلام عليكم، رديت السلام. تطلعت إلى وجهها لأتأكد أن له ملمحا إنسانيا، وجه أنثوى، أغسل وجهى بالماء البارد.. اسمع وقع إقدامها وهى تبتعد تدق الأرض دقا سريعا متواصلا، أخرج وراءها مهرولة تقابلنى خمسة أشباح أخرى تسير وراء رجل بجلباب أبيض، أحس بالحصار ويخيل لى أن المكان محاطا بالأشباح من كل جانب.

أهرب إلى الشارع أبحث عن هواء أتنفسه ومددا جديدا لروحى، أبحث عن وجوه إنسانية تفيض على بالوصل والتواصل، لعلنى أمحو من ذاكرتى ذلك المشهد المرعب المخجل الذى يطمس هويتنا كنساء ويحط من كرامتنا ويهين إنسانيتنا وينتقص منها.
تخيلت العلامة والمفكر الجليل رفاعة رافع الطهطاوى وهو شاب يافع يحاول أن يحاور هذه المرأة الشبح وكذلك الرجل من خلال فلسفته وأفكاره التى أبدعها فى كتابه «تلخيص الإبريز فى تلخيص باريز» عام 1834:

(إن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتى من كشفهن أو سترهن، بل منشأ ذلك التربية الجيدة أو الخسيسة، والتعود على محبة غيره، وعدم التشريك فى المحبة والالتئام (الوئام) بين الزوجين،وقد جرب فى بلاد فرنسا أن العفة تستولى على قلوب النساء المنسوبات إلى الرتبة (الطبقة) المتوسطة من الناس، دون نساء الأعيان والرعاع).

أرى الطهطاوى مرة أخرى وقد غطى شعره المشيب فلقد تجاوز السبعين وكتب المرشد الأمين فى تربية البنات والبنين (المرأة.. مثل الرجل سواء بسواء، أعضاؤها كأعضائه، وحاجتها كحاجته، وحواسها الظاهرة والباطنة كحواسه، وصفاتها كصفاته، حتى كادت الأنثى أن تنتظم فى سلك الرجال. فإذا أمعن العاقل النظر الدقيق فى هيئة الرجل والمرأة، فى أى وجه كان من الوجوه، وفى أى نسبة من النسب، لم يجد إلا فرقا يسيرا يظهر فى الذكورة والأنوثة وما يتعلق بهما، فالذكورة والأنوثة هما موضع التباين والتضاد).

يشع وجهى حبورا، فقد طل علىّ وجه قاسم أمين من كتابه (المرأة الجديدة) الذى كتبه عام 1900 (المرأة التى تلزم بستر أطرافها والأعضاء الظاهرة من بدنها بحيث لا تتمكن من المشى ولا من الركوب، بل لا تتنفس ولا تنظر ولا تتكلم إلا بمشقة تعد رقيقة، لأن تكليفها بالاندراج فى قطعة من قماش إنما يقصد منه أن تمسخ هيئتها وتفقد الشكل الإنسانى الطبيعى فى نظر كل رجل ماعدا سيدها).

أرى هدى شعراوى فى القطار وهى تنزع من على رأسها الحجاب وبجوارها سيزا النبراوى وأخريات بعد رجوعهن من مؤتمر نسائى دولى فى روما فى ربيع 1923، وقد فاجأن مئات النساء المستقبلات لهن فى محطة قطارات القاهرة (باب الحديد) بسفورهن على رءوس الأشهاد.

********

إن إسدال النقاب على جسد المرأة هو تجسيد رمزى للتغطية على عقلها ووجودها الاجتماعى، وهو قتل واغتيال روحها وعقلها وذاتها ومنعها من الوصول للمعرفة والحقيقة واختياراتها الحرة الأصيلة دون ابتزاز دينى.

إن المناداة بالنقاب على أية حال ليس خطابا منعزلا عن حالة التردى الذى وصل إليه السياق السياسى والاجتماعى الذى نحياه، وحالة الهزيمة التى تسيطر على ذواتنا مما يعكس دلالات ثقافية تفرض قيودا على الأطر الاجتماعية التى تلاءم هذا الخطاب، وتضع صيغ وقوالب جاهزة للمقاييس الأخلاقية، تقترن شبكة القيم الملازمة بالعفة والحشمة بالرجولة.

فالذكورة تقترن بالحرية والاستقلالية والأنوثة بالخضوع والتبعية، وبالتالى يحدد هذا أى مسار يجب أن تسلكه الأنثى لكسب الاحترام وهو الاحتشام الضرورى لشرف المرأة، فالجنس يمثل التهديد الأكبر للنظام البطريركى (الأبوى) ويتم توليد خطاب معاصر عنصرى طبقى، يعامل المرأة معاملة الأقليات التى يجب أن تنضوى تحت جناح الحماية الذكورية، فيتم عزل النساء عن الحياة العامة وإلغاء وجودهن الاجتماعى، بل وجودهن الإنسانى، ويلتقى الخطاب السياسى مع الخطاب الدينى فى تحالف لا مثيل له فى موقفهما تجاه النساء، ويحول الفروق البيولوجية بين النساء والرجال إلى فروق عقلية ونفسية وفكرية.

لماذا يخافون من جسد المرأة إلى هذه الدرجة المرعبة، ويكبلونه بأثقال من العار والفضيحة والشرف والعفة؟ لن يستطيع أحد شجب جسد المرأة بمجرد إخفائه، حتى لو حبسوه داخل الأغطية الحالكة، حتى لو وسموه بأنه ليس إلا جسدا مدنسا أو موضوعا أو شيئا.

إننا لم نتخلص من سمات المجتمع القبلى المؤسس على التحيز الذكورى، والمتمحور حول الذكورة. هذا المجتمع الذى يجعل المرأة سلبية، تابعة، خانعة للرجل منذ مهدها إلى لحدها، ويظهر دونية الأنثى الأخلاقية التى تتجلى فى الجنس من خلال وظائفها التناسلية التى تفرض على النساء التنكر لطبيعتهن الجنسية لإظهار عفافهن لينجين بأنفسهن من العار الأخلاقى، مما يستدعى تسربلهن بالنقاب وتحويلهن إلى أشباح تتحرك فى وسط صحارى محملة بغبار الفضيلة والاحتشام، وهن فى الحقيقة مكبوتات جنسيا ونفسيا وفكريا.

من الذى يجعل النساء يبخسن قدر أنفسهن ويقبلن الهزيمة والانكسار؟
إنها السلطة الذكورية والبنى الاجتماعية بما تحمله من مفاهيم لا تقبل التغيير والتى تضع حدودا للحلال والحرام على حساب النساء.

******

لقد تم تغليب الروح الذكورية فى علاقة الفقه الإسلامى التاريخى الإنسانى بالمرأة، وفى تجسيده لأدوارها حتى تحول النسق القيمى والأخلاقى للعادات العربية المتعلقة بها إلى دين، وتم تبنى المصطلحات المرتبطة بحياة العرب القبلية وهى العفة، الشرف، الاحتشام، المروءة… إلخ. وأصبحت من ضمن مفردات القاموس العربى المعاصر، وهى مصطلحات لا نجدها أبدا فى «التنزيل الحكيم» لأنها مفاهيم تخضع للزمان والمكان الذى نشأت فيه، وأصبحت هذه المفاهيم لها قوة «النص المقدس» وأحيانا أقوى من الدين، فالنقاب لم يذكر فى أى نص دينى على الإطلاق مثلما اقتصر الحجاب على نساء الرسول «صلى الله عليه وسلم» فقط.

ونوعية الملابس بالنسبة للرجل أو المرأة ليس لها علاقة بالإسلام ولا بالتقوى والإيمان، وإنما تتبع أعراف المجتمع بشكل كامل. فالمرأة العربية التى كانت تعيش فى مناخ شبه جزيرة العرب الحار ترتدى ثوبا طويلا وتضع خمارا على رأسها ليقيها «القيظ»، أما الرجال فكانوا يلبسون عمائم على رءوسهم لتقيهم من الحر أيضا وهذا معمول به إلى الآن فى المناطق شديدة الحرارة.

النقاب يحمل رسائل متعددة ترمز إلى حاجة المرأة للخضوع والمواءمة والتكيف مع البنية القائمة لعلاقات القوى، تتوقع كثير من النساء أن النقاب أو الخمار سيدفع عنهن أذى بغيض وهو التحرش الجنسى بهن، أو سيسمح لهن باستثناء خاص فى بعض أماكن العمل، أو يرفع عنهن غيرة وغضب أزواجهن. ونتيجة لكل عوامل القهر والسعى لحبس المرأة داخل أسوار البيت فإن لسان حال المنتقبات يظهر فى مقولات تبريرية «ارتداؤنا النقاب يجعلنا نساء عفيفات، آمنات، لا أحد يتقول علينا أو يغتاب سيرتنا أو يمس شرفنا وعفتنا، ويسمح لنا بالسير فى الشارع وفى الحصول على وظائف أو تصريف شئوننا بأقل الخسائر».

إن الحياة اليومية بعنفوانها أقوى من أى مظاهر أو أى لباس/ خمار/ نقاب تعوق المرأة من اشتباكها مع الأمور الحياتية العملية ومن خروجها للعمل، ومشاركتها وانخراطها فى القضايا الاجتماعية والسياسية، وأى خطاب أصولى سيظل وبصورة أكثر أحكاما أسيرا فى شكله ومضمونه للموروث وأكثر جمودا فى دلالاته وبنائه من خطاب الحياة اليومية.

******

إن إحساس النساء بالمعاناة كان هو بداية تشكيل بوتقة الوعى النسائى، الوعى الرافض للهيمنة الذكورية والطاعة لما يسمى الحشمة الجنسية، التى تطمس هويتهن وقدرتهن الخلاقة، رفض حجابهن وعزلهن عن المجال العام، وسجنهن فى إطار منزل لا يغادرهن ومعرفة محصورة فى إطار ممارستهن لأدوارهن التقليدية كزوجات وأمهات.

إن هناك محاولة منظمة وواعية لسجننا وارتدادنا إلى عصور الركود والتخلف، إلى سحب كل انتصارات النساء ومحاولتهن الواعية والدءوبة للتحرر والانخراط فى العمل العام، والإصرار على أن يكن شقائق للرجال لا تابعات لهم. فكيف تفسر أنه كلما خطت النساء خطوة إلى الأمام تلتفتن إلى الوراء لأنهن يخشين أن يسحب البساط من تحت أقدامهن وتسلب منهن خطوتان أو ثلاثة نحو الحرية.

إن حضور الجسد الأنثوى طاغ يضارع دفقة ماء النسخ الحى لا يمكن حجبه أو تقييده.

نريد أن تستيقظ بهجة الحياة فى تلك الأجساد الأنثوية، أجساد تقاوم الظلم وتوقف القلق فادح الثمن للجسم المكبل، أجساد تنشر رجفة الفرح عبر المسارب والطرقات، فيتدفق نهر الجسد ويغنى بكل أمواجه وعنفوانه الهادر، وتغدو الخطوات الثقيلة الهاربة المتخفية خطوات فرحة يطرب لها الكون. ألم يحن الوقت بعد ليتحد الرجال والنساء لنخرج هذه الأجساد من طوقها ونحررها من أثقال السنين وفوضى المصير، ونطلق حلم يصبح فيه وجه الكون وجه إنسانى، ويغدو الرجال فيه شقائق للنساء يبنون معا جذور مجتمع عادل، فرح، غير مكبل بموروث بال وقيم قبلية عتيقة لا تنسجم مع التطور الإنسانى ولا مع عصر يحكمه العقل والعلم.