التقرير الختامى لغرفة عمليات "شفت تحرش" خلال أيام عيد الأضحى‎
أكتوبر 31, 2012
ضد المرأة.. ومعها
نوفمبر 3, 2012

تقلقنا مسألة التحرش من أربع زوايا على الأقل. الأولى أنه تحول إلى ظاهرة فى مصر. الثانية أن صبية وفتيانا صغارا تتراوح أعمارهم ما بين 10 و15 سنة يشاركون فيها. الثالثة أن المجتمع يقف منها متفرجا ويتعامل معها بسلبية محيرة. الرابعة أننا تصورنا أن الشرطة سوف تتكفل بالأمر وتعالجه.

تتحدث الصحف عن أنه فى القاهرة وحدها حررت الشرطة ما بين 700 إلى ألف محضر لحالات التحرش خلال أيام عيد الأضحى، ومعلومات الصحف هى التى أشارت إلى الفئات العمرية للمشاركين الذين تبين أن ثلثهم من هؤلاء الصبية والفتيان الصغار، فى حين أن أغلبية الباقين ممن يقلون فى العمر عن 30 سنة. ولست متأكدا من صحة ما ذكرته إحدى الصحف عن أن الرئيس محمد مرسى تطرق إلى الموضوع أثناء اجتماعه مع وزير الداخلية يوم الثلاثاء الماضى (30/10). إلا أنه من الواضح أن تناول الموضوع لم يعد مقصورا على الصحف ووسائل الإعلام المصرية، لأن الصحف الغربية ـ الانجليزية والفرنسية والأمريكية ـ تحدثت عنه أيضا بعد تعرض بعض الصحفيات الغربيات للتحرش فى ميدان التحرير.

إن شئت فقل إن فضيحتنا صارت على كل لسان. لكن ليس ذلك كل ما فى الأمر، لأن الأسوأ ألا نعتنى بتحليل الظاهرة وتحرى جذورها، وأن نترك علاجها لرجال الشرطة (للعلم فإن صحفا تحدثت عن مشاركة بعض عساكر الشرطة فى التحرش بكورنيش النيل). لقد عرفتنا الصحف بماذا حدث وذلك شىء مفيد ومهم فى الإخبار بالحدث وتحرير الظاهرة، ولكن لأننا لم نعرف بعد لماذا حدث فقد فشلنا فى تحليل الظاهرة.

كلما قرأت شيئا عن التحرش أتساءل: أين تربى هؤلاء الشبان. ومن الذى قام بتربيتهم؟ وبمضى الوقت ترسخت لدى قناعة بأننا نواجه أزمة تربية فى مصر. فالآباء والأمهات مشغولون بالركض وراء لقمة العيش والمدارس لم تتخل فقط عن دورها فى التربية ولكن يبدو أنها تخلت أيضا عن دورها فى التعليم. بعدما أصبحت الدروس الخصوصية هى الأصل فى التحصيل. والإعلام صار مشغولا بالتسلية والتجارة والإثارة، ولم يعد مشغولا بتوجيه الناس أو ترشيد سلوكياتهم، كما يحدث فى أغلب الدول المتحضرة. النتيجة أن الأجيال الجديدة أصبحت تربى إما على التليفزيون، أو فى النوادى والشوارع. ولما لم تعد لدينا جهة أو جهات مسئولة ومعنية بمسألة التربية وتهذيب السلوك، فإن الباب انفتح واسعا لمختلف احتمالات الجنوح أو الانحراف.

لا أستطيع أن أعمم بطبيعة الحال. لأننى أعرف أسرا تفرغت لتحصين أبنائها ورعايتهم، ولا أستطيع أن ألغى وجود شرائح من الشباب لاتزال قابضة على دينها، وهؤلاء لهم وجودهم الملحوظ فى المساجد وأنشطة الجماعات الدينية التى تربيهم على نحو آخر. قد نختلف معه أو نتفق، ولكنه فى كل الأحوال، يحول بينهم وبين المشاركة فى حملات التحرش. ولا غرابة فى ذلك لأن بلدا مثل مصر يضم أكثر من تسعين مليون نسمة سيجد الباحث فيه مختلف أنواع السلوك ونماذج البشر، السلبى منها والإيجابى.

نقلت انطباعاتى هذه إلى الدكتور على ليلة أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس فوجدته قد صاغ الأمر على نحو أفضل مما ذكرت. إذ أرجع ظاهرة التحرش إلى عاملين أولهما ضعف البنية الأخلاقية لدى الأجيال الجديدة. وهى التى نشأت فى بيئة ثقافية لم تكترث بالتربية وتهذيب الضمير الفردى الذى يمكن الإنسان من التحكم فى غرائزه، الأمر الذى أسهم فى تفكيك المنظومة الأخلاقية، ليس لدى الأبناء والبنات فحسب، وإنما لدى الآباء والأمهات أيضا.

العامل الثانى تمثل فى الدور السلبى الذى أصبح يقوم به التليفزيون ووسائل التواصل الاجتماعى التى باتت متاحة لكثيرين. ذلك أن ما يبثه التليفزيون وما يتناقله «النت» من مواد فاضحة أسهم فى تضخيم بنية الغريزة التى تكفلت بإضعافها مؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة (البيت والمدرسة خصوصا). هذان العاملان يقفان بقوة وراء ظاهرة التحرش. التى تحتاج إلى دراسة بأكثر مما تحتاج إلى إجراءات أو قرارات إدارية لعلاجها. فى هذا الصدد قال الدكتور على ليلة إن الاعتماد على الشرطة فى التعامل مع الظاهرة بمثابة كارثة تفضح القصور فى تشخيص المشكلة وتحليلها.

وكرر التأكيد على الدور المهم للتليفزيون، الذى ذكر أنه سحب مساحة التنشئة من الأسرة والمدرسة، وتحول من وسيلة يمكن أن تسهم فى بناء الأمة وترقيتها، إلى سلاح يخرب المنظومة الأخلاقية ويعيق التقدم والنهوض الحقيقيين. وتلك ليست مشكلة التليفزيون أو وسائل التواصل الاجتماعى، لكنها مشكلة الذين يفشلون فى توظيف تلك المنابر فى الاتجاه الصحيح.

إن الأمر يحتاج إلى حوار موسع وبحث معمق يحترم التحليل العلمى والموضوعى، ويستبعد الحل الأمنى.