نسخة مفاهيمية لقانون العنف الموحد
 فلسفة القانون الموحد لمناهضة العنف ضد النساء نسخة 2025
ديسمبر 8, 2025
سلسلة أروبة ولهلوبة: مفاهيم اقتصادية عامة
فبراير 4, 2026
نسخة مفاهيمية لقانون العنف الموحد
 فلسفة القانون الموحد لمناهضة العنف ضد النساء نسخة 2025
ديسمبر 8, 2025
سلسلة أروبة ولهلوبة: مفاهيم اقتصادية عامة
فبراير 4, 2026

1. مقدمة

على الرغم من إطلاق برامج متعددة للحماية الاجتماعية منذ منتصف العقد الماضي، إلا أن معدلات الفقر في مصر في تصاعد مستمر حتى أن نسبة الفقر بلغت نحو 29.7% عام 2020 وفقًا للبيانات الرسمية ويُرجح وصولها إلى 32% أو أكثر لاحقًا مع تلاشي القدرة الشرائية لدى المواطنين، خاصة مع بعد موجات تحرير الصرف المتلاحقة وما صاحبها من ارتفاع معدلات التضخم (الشرق الاوسط، 2025). أشارت تحقيقات صحفية مستقلة إلى أن الامتناع عن نشر نتائج أحدث بحث للدخل والإنفاق (2021-2022) يخفي ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الفقر تصل إلى 34%، مع ارتفاع معدلات الفقر المدقع بنسبة 1.31% حتى بلوغها 5.81%، خاصة في الريف والمناطق المهمشة، وتشير دراسات أخرى إلى أن معدل الفقر القومي بلغ 33.3% في 2021-2022، و35.7% في 2022-2023 (مدى مصر، 2025). ورغم عدم نشر نتائج بحث الدخل والإنفاق إلا أن تحليل البيانات الخام المتاحة بصعوبة يؤكد ارتفاع معدلات الفقر. فعلى سبيل المثال، أشارت التحليلات إلى ارتفاع نسب الإنفاق على الغذاء -والذي يُعد أحد العوامل المرتبطة بزيادة الفقر بشكل عام- في كل الشرائح، أي أن هناك ارتفاعًا ملحوظًا في كلفة الغذاء نفسها. لجأت الحكومة المصرية لبعض الحزم السياساتية للحد من الآثار الاقتصادية على الفئات الأكثر هشاشة، ومنها زيادة الحد الأدنى للأجور بشكل متكرر حتى وصل إلى 7000 جنيهًا مصريًا عام 2025 (المصري اليوم، 2025)، والذي رغم كونه إجراءً هامًا، إلا أنه يقتصر على القطاعات الحكومية، حيث أن آليات التحقق من تطبيقه في القطاع الخاص ما زالت قاصرة (المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 2023)، هذا بالإضافة إلى أن عدد العمالة غير الرسمية في مصر يصل إلى ما بين 8 إلى 13 مليون عامل وعاملة أي حوالي نصف حجم القوى العاملة في مصر (حلول للسياسات البديلة، 2023) وبطبيعة الحال لا ينطبق عليهم الحد الأدنى للأجور. من ضمن هذه الحزم أيضًا زيادة المعاشات، إلا أن الزيادة بلغت 15% ورفع الحد الأدنى للمعاشات اعتباراً من أول يناير 2024 ليصبح 1300 جنيه بدلاً من 1105 في حين يبلغ الحد الأقصى 10080 جنيه بدلاً من 8720 (الاستثمار، 2023) وهي زيادة لا تكفي لمواجهة موجات الغلاء المتكررة فقد بلغ معدل
التضخم في مصر لعام 2023 نسبة 33.88% (Macrotrends, 2023). كما شملت الحزمة الحكومية زيادة مخصصات ;تكافل وكرامة، البرنامج الأكبر لتقديم الدعم النقدي في مصر والشرق الأوسط وشمال أفريقيا (مبادرة الإصلاح العربي، 2025) بنسبة تصل إلى 25% اعتبارًا من عام 2023، لترتفع قيمة الدعم النقدي الشهري إلى نحو 900 جنيه كحد أدنى، وقد تزيد بحسب عدد أفراد الأسرة ومستوى الاستحقاق، إلا أن هذه الزيادة ما تزال غير كافية لمواجهة التضخم المتصاعد بوتيرة سريعة، خاصة وأن شروط البرنامج تمنع نصف فقراء مصر من الاستفادة منه (المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 2023). يستهدف البرنامج الأسر الفقيرة والأولى بالرعاية، وكبار السن ممن لا يتحصلون على معاش ثابت وذوي الإعاقة الذين لا يستطيعون العمل والأسر التي لديها أطفال، والنساء المعيلات. إلا أن بعض شروط البرنامج الجيدة من الناحية النظرية تؤدي إلى صعوبة وصول الدعم لمستحقيه، فعلى سبيل المثال يشترط البرنامج الالتزام بالمتابعة الصحية المنتظمة للأمهات والأطفال، والتزام الأبناء بالحضور المدرسي بنسبة لا تقل عن 80%، إضافة إلى معايير اقتصادية تستبعد الأسر التي تمتلك أصولًا بسيطة مثل سيارة أو مصدر دخل غير رسمي (الهيئة العامة للاستعلامات، 2025). يراجع البرنامج استحقاقية مستفيديه كل ثلاثة أعوام لضمان التزامهم بالشروط وعدم تغير أوضاعهم المادية للأفضل، وهو ما أدى إلى استبعاد 620,000 مستفيد من البرنامج هذا العام (المنصة، 2026). جدير بالذكر أن نسبة النساء المستفيدات من برنامج تكافل وكرامة هي الأعلى، حيث تبلغ حوالي 74% بحسب إحصاءات البنك الدولي، بينما وصلت في بعض التقديرات إلى 90% (مبادرة الإصلاح العربي، 2025).

على الرغم من هذه الحزم، إلا أن الاتجاه العام للفقر لم يتغير، بل يزداد الوضع سوءًا، حيث أن البُنى الهيكلية للفقر لم تشهد تحسينات تُذكر، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الفقر ومسبباته بصورة أكثر ضراوة، كما تشير اتجاهات وتحليلات برامج الحماية الاجتماعية الحالية إلى تحمل النساء لعبء التكيّف مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، خاصة الأفقر منهن، وبشكل أدق مع كون النسبة الأكبر من العمالة النسائية تعمل بالقطاعات غير الرسمية، ومع نمط الاستهداف المشروط لبرامج الحماية الاجتماعية، يتحول الدعم من حق أصيل يكفله الدستور المصري إلى أداة للضبط الاجتماعي، خاصة للنساء. كما تقضي النساء وقتًا أطول بكثير في أعمال الرعاية والأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر، وهو ما يعيق وصولهن المتكافئ لسوق العمل والخدمات التعليمية والصحية. تستعرض هذه الورقة بإيجاز أوضاع الفقر وبعضًا من بُناه الهيكلية وعلاقته بالحماية الاجتماعية في مصر في غياب دولة الرفاه، وتقدم توصيات سياساتية لتوفير حماية اجتماعية تساهم في تغيير هذه البُنى الهيكلية، عوضًا عن تقديم حلولًا مؤقتة لا تثمر إلا عن قليل، وذلك من منظور نسوي تقاطعي. وتركز الورقة على ثلاثة محاور: (1) الحق في الصحة، و(2) الحق في التعليم المجاني الجيد، وأخيرًا وليس آخرًا (3) الضمان الاجتماعي والبطالة.

2. الخلفية والسياق السياساتي
في عام 2016، صدرت ;رؤية مصر 2030; عن استراتيجية التنمية المستدامة في أجواء سياسية تتسم بالتضييق على المجال العام والمجتمع المدني كمحاولة لفرض السيطرة على الأوضاع السياسة في مصر بعد ثورة 25 يناير وتداعياتها.
شملت الأهداف المعلنة لرؤية مصر 2030 التخفيف من الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية ضمن أولوياتها، وهو ما يكسب سياسات الحماية الاجتماعية أهمية قصوى في الأجندة الوطنية (رؤية مصر 2030، 2016). وقد أطلقت الحكومة برامج
ومبادرات متعددة مثل ;تكافل وكرامة;وحياة كريمة; للمساهمة في جهود تخفيف الفقر، إلا أن هذه الجهود لم تثمر إلا عن نتائج متواضعة في الحد من الفقر من منبعه ولم تمنع من ارتفاع نسب الفقر كما سبقت الإشارة. جدير بالذكر أن الرؤية لاقت
انتقادات منذ إطلاقه، ومن ضمنها الطموح المبالغ فيه دون الارتكاز على خطة واقعية للوصول لأهدافها الطموحة التي لا يمكن انتقادها في حد ذاتها (مدى مصر، 2016). تاريخيًا، مع توجه مصر بالكامل نحو المعسكر الأمريكي، ومنذ ثمانينات القرن الماضي، لم تبدي سياسات الدولة أي نية لتحقيق دولة الرفاه الشاملة، خاصة بالتحول نحو السياسات النيوليبرالية لذاك المعسكر مع تطبيق سياسة الانفتاح التزامًا بتوجهات صندوق النقد الدولي، فقد اتجهت السياسات الاقتصادية نحو تقليص الدعم وتحرير الأسواق، مع تعويض محدود عبر برامج استهدافية مشروطة. وبعد الموجات المتتالية من تحرير سعر الصرف منذ عام 2016 والتضخم المصاحب لها، ومع ارتفاع نسب الفقر العام والفقر المدقع، امتنعت الحكومة عن نشر نتائج مسح الدخل والإنفاق الأخير، وهو ما يثير شكوكًا متعددة حول نسب الفقر الحقيقية في مصر مؤخرًا، خاصة مع كون المعلومات ملكًا للشعب والإفصاح عنها حق مكفول له بنص دستوري وفقًا للمادة 68 من الدستور المصري (2014). وتشير تحليلات حقوقية إلى أن هذا الامتناع خيارًا سياسيًا (مدى مصر، 2025) للحد من المساءلة، فمع غياب البيانات وتوفر أجزاء منها فقط، يصعب تقييم سياسات الحماية الاجتماعية بل ويصعب طرحها للنقاش المجتمعي أو حتى للنقاش بين المتخصصين. وفي ظل غياب عدالة ضريبية حقيقية، ولجوء الدولة لإجراءات تقشفية لسد العجز في الموازنة مع ارتفاع ديونها، تعتمد الأسر الفقيرة على برامج دعم نقدي لا تضمن لها الخروج من دائرة الفقر. تعكس هذه الإجراءات غياب رؤية شاملة لدولة الرفاه، حيث تستخدم برامج الحماية الاجتماعية كآلية للاحتواء الاجتماعي المؤقت والجزئي، مثل الدعم الذي قُدم للقطاعات الأكثر تضررًا أثناء وباء كوفيد 19، كقطاع السياحة والعاملين فيه، وهي جهود لا تساهم في بناء نظام حماية اجتماعية شامل وفعّال يعمل على تفكيك بُنى الفقر الهيكلية التي تشمل تدني الأجور والنسب شديدة الارتفاع للعمالة غير الرسمية في مصر والتي وصلت إلى 70% بحسب تقديرات البنك الدولي (2023) وبالتالي لا يؤثر في زوالها (المركز المصري للحقوق الاقتصادية، 2025). ومن منظور نسوي، يتجلى هذا الغياب للبعد الهيكلي في استبعاد النساء العاملات في الاقتصاد غير الرسمي – وهن الغالبية – من أي حماية مؤسسية، ما يرسخ هشاشتهن الاقتصادية عبر دورة الحياة. وفي سياق الاستعراض الدوري الشامل الأخير، تلقت مصر توصيات متكررة تدعو إلى توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتحسين استهداف النساء والفئات الهشة، وتعزيز الإنفاق الاجتماعي. غير أن تقارير المجتمع المدني، بما فيها تقارير نسوية موازية، تؤكد بطء الاستجابة لهذه التوصيات، واستمرار التضييق على الدور الرقابي للمجتمع المدني في تقييم السياسات الاجتماعية.

3. المحور الأول: الحق في الصحة والتأمين الصحي الشامل
أقرّت مصر قانون التأمين الصحي الشامل رقم (2) لسنة 2018 ليكون حجر الزاوية في إصلاح القطاع الصحي وتحقيق الحق في الصحة. شملت الإصلاحات فصل التمويل عن تقديم الخدمة، وإنشاء هيئات للصرف والمشتريات ومراقبة الجودة (WHO, 2020). وبحسب تصريحات حكومية، وصلت نسبة التغطية إلى 78%، ومن المستهدف أن تصل النسبة إلى 100% بحلول عام 2030 (المصري اليوم، 2025). ومع ذلك، تقابل هذه الإنجازات الرسمية تحديات عدة وتفاوتات جوهرية. أولاً، نسبة الإنفاق الحكومي على الصحة لا تزال منخفضة مقارنة بالمعايير الدولية؛ رغم زيادات مؤخرًا، بلغ
إجمالي الإنفاق الحكومي 4.6% من مجمل الاستثمار المخطط للعام 2024/2023 (World Bank, 2024)، وهو أقل من المعدلات الموصى بها عالمياً لتحقيق الحماية الشاملة. ثانياً، هناك التباسات عدة حول آليات الاستفادة من هذه التغطية ونسبها، مما يشكل عائقًا حقيقيًا أمام وصول الخدمات للفئات الأكثر فقرًا. ولم تشهد معدلات الإنفاق على الصحة انخفاضًا ملحوظًا (مدى مصر، 2025) وهو ما كان من شأنه أن يحدث حال ضمان الوصول الحقيقي للمواطنين لهذا التأمين الشامل. ثالثاً، رغم التحسينات الهيكلية المزعومة للقطاع الصحي، تشكو المستشفيات العامة من نقص الأطباء والتجهيزات في بعض المناطق، لا سيما تلك الموجودة بالمناطق الريفية والنائية وخاصة الحدودية، كما تتركز الخدمات عالية الجودة في المراكز الحضرية. جدير بالذكر أن نقص الأطباء بسبب ضعف الدخل مما يدفعهم للهجرة مشكلة متفاقمة إلى الحد أنها ذكرت في خطاب رئاسي دون مواربة (2022). كما أن المنظومة الصحية الحالية لا تركز على الدعم الصحي والاجتماعي الاستباقي (رعاية شاملة للأطفال والمسنّين، وخدمات رعاية مؤسساتية) وهو ما يؤدي في كثير من الأحوال إلى أن يقع عبء الرعاية الصحية الأولية والمستمرة على كاهل النساء في الأسر المصرية.

4. المحور الثاني: الحق في التعليم الجيد المجاني
في موازنة 2024/2025، خصصت الحكومة المصرية 295 مليار جنيه للتعليم، أي ما يعادل 1.7% فقط من الناتج المحلي و5.3% من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى أدنى بكثير من الاستحقاقات الدستورية والمعايير الدولية. فبالرغم أن الدستور ينص على تخصيص ما لا يقل عن 6% من الناتج المحلي للتعليم (4% للتعليم قبل الجامعي و2% للتعليم الجامعي)، فإن إنفاق مصر يقل عن نصف متوسط دول الدخل المتوسط الأدنى، ويتراجع نسبةً إلى الناتج والإنفاق العام منذ سنوات. وتُظهر تحليلات هيومن رايتس ووتش والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن الإنفاق على التعليم انخفض بنحو 24% بالقيمة الحقيقية منذ 2014، ليصل في 2024/2025 إلى أدنى مستوى له خلال خمس سنوات (HRW, 2025). ووفقًا لليونيسيف، أدى هذا التراجع إلى تدني جودة التعليم العام ونقص عدد المعلمين المؤهلين وتدهور المنشآت التعليمية، خاصة في المناطق الأكثر تهميشًا (2024). كما أن هذا التراجع في الإنفاق أدى إلى تحمل الأسر تكاليف غير معلنة للتعليم، مثل اللجوء إلى الدروس الخصوصية وزيادة الإنفاق على التنقل. وقد أتت مصر في المرتبة 42 من ضمن 43 دولة في نسبة
معرفة القراءة للطلبة في الصف الرابع الابتدائي، وهو مؤشر على محدودية قدرتهم على تحصيل المواد العلمية الأخرى (UNICEF, 2024). ومن ناحية أخرى، هناك ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد عمالة الأطفال في السنوات الأخيرة نتيجة لارتفاع معدلات الفقر، حيث
ارتفعت النسبة من 2.9 عام 2019 إلى 3.6% عام 2024 (U.S. Department of Labor) وأظهرت ;حادثة فتيات العنب; الظروف غير الإنسانية التي تعرضهم لأشكال مختلفة من العنف والمخاطر، وهن الفتيات العاملات عمالة غير
رسمية بمزارع المنوفية اللاتي لقين مصرعهن وأصبن في حادث أليم. تبرز هذه المعطيات أن التعليم المجاني في مصر غير مجاني ومن الصعب الوصول له بالنسبة للعديد من الفقراء، وذلك رغم كونه حقًا مكفولاً دستورياً.

5. المحور الثالث: الضمان الاجتماعي وإعانات البطالة
يتشعب مفهوم الضمان الاجتماعي في مصر ليشمل المعاشات والتأمينات، بما في ذلك التأمين ضد المرض والبطالة، إضافة إلى برامج الدعم النقدي والغذاء. ولدى القطاع الرسمي، سواء كان حكوميًا أو خاصًا، أنظمة تقاعد تقليدية تعتمد على الاقتطاع من الأجور، إلا أنها تترك ثغرة بنيوية هائلة في حق النساء، فالغالبية العظمى منهن يعملن خارج هذا القطاع الرسمي، وبالتالي لا يحصلن على معاشات تقاعدية أو تأمين صحي. ففي الواقع، تُركّز السياسات الحديثة فقط على إدخال ضمان محدود للفئات القليلة المنخرطة في القطاع الرسمي. فعلى سبيل المثال، أدخل قانون التأمينات والمعاشات (148 لسنة 2019) نظاماً جديداً لتأمين البطالة، مستهدفاً الموظفين والعاملين في القطاعين العام والخاص بشرط ألا يزيد عمرهم على 60 عامًا (برلماني، 2020). يستثني هذا القانون بوضوح العمالة غير الرسمية والموسمية التي لا تحظى بأي مظلة اجتماعية لحمايتها. بالإضافة لذلك، تقتصر الاستفادة من سياسات الحد الأدنى للأجور على الفئات التي تعمل في القطاع الحكومي وبنسب أقل بكثير تلك العاملة بالقطاع الخاص، ولا تصل بأي حال من الأحوال للعمالة غير الرسمية. وعلى صعيد آخر، ما زال قانون العمل لا يضمن المساواة بين الرجال والنساء في حالات الولادة، فما زالت أعباء رعاية الطفل تقع بشكل ممنهج على عاتق الأمهات حتى في قانون العمل الذي يمنح الآباء إجازة ليوم واحد فقط حال الخلفة، حتى بعد آخر تعديل (قانون العمل، 2025) في إشارة واضحة إلى أن فلسفة المشرع تنظر إلى أعباء الرعاية على أنها من اختصاص النساء فقط، في حين أن وجود مولود جديد يتطلب رعاية كل من الأب والأم، بل أنه حق من حقوق الآباء أن يشاركوا في رعاية أطفالهم، ليس مجرد واجب، وهو ما يرسخ غياب الأب عن واجباته الرعائية منذ الأيام الأولى في عمر الطفل. كما أن غياب الإحصاءات عن النسب الفعلية للنساء المعيلات في مصر يجعل من الصعب تقييم تأثير برامج الضمان الاجتماعي عليهن.

6. التوصيات السياساتية
بناء على التحليل السابق والتجارب الدولية، يجب على الدولة وصُناع القرار والجهات المانحة العمل على تعزيز السياسات
التالية:
● زيادة الإنفاق العام على حقوق الإنسان الاجتماعية: الالتزام الكامل بالمادة الدستورية بالإنفاق على التعليم والصحة بنسبة لا تقل عن 6% من الناتج المحلي.
● توجيه هذه الزيادة لتحسين جودة التعليم العام، وتأهيل المعلمين، وتوسيع شبكة المدارس في القرى والأحياء الفقيرة لضمان الوصول المجاني الفعليّ للجميع.
● تخصيص حصة عامة كافية للقطاع الصحي، خاصة الرعاية الأولية في المناطق النائية، وتعزيز الخدمات المجانية للولادات وصحة الأمومة والصحة الجنسية.
● إزالة العوائق التي تؤدي لعدم الاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية المتوفرة، ومن أهمها العوائق الرقمية في ظل انتشار الأمية الرقمية.
● الاستثمار في اقتصاد الرعاية بالتوسع في توفير دور الحضانة للأطفال ودور الرعاية لكبار السن.
● إلزام القطاع الخاص بحل أزمة العمالة غير الرسمية بالرقابة المشددة على المنشآت وتعديل قانون العمل، وضمان قدرة العمال على تنظيم أنفسهم في نقابات تعنى بخدمة مصالحهم وحمايتها.

● الإسراع بتعميم التأمين الصحي الشامل على مستوى جميع المحافظات، مع متابعة وجود شبكة قوية من الأطباء والمستشفيات العامة ذات جودة، والحد من خصخصة المستشفيات أو إشراف القطاع الخاص عليها.
● توسيع مظلة الاشتراك في منظومة التأمينات الاجتماعية لتشمل العمال غير الرسميين قدر الإمكان (مثلاً عبر آليات دفع مرنة أو مؤسسات تمثيلية).
● تفعيل قانون البطالة بشكل يضمن تعويضاً مادياً حقيقياً أثناء البحث عن عمل، وتدريب من يعانون من البطالة على مهارات عملية.
● شمول النساء غير العاملات في خطط معاشات لربات البيوت.
● إجراء إصلاحات تشريعية واقتصادية لخفض معدلات التضخم والحد من سياسات التقشف التي تؤثر بشكل أساسي
على الفئات الأفقر والأكثر تهميشا، وذلك بتوجيه السياسات نحو إخراج الاقتصاد من مأزق الديون، وتعديل المسار في اتجاه نمو مبني على إنتاج سلع وخدمات حقيقية.
● التوسع في الدعم التمويني عوضًا عن الدعم النقدي الذي يتأثر بشكل واضح بنسب التضخم.
● ضمان المساءلة والمشاركة المجتمعية وذلك بالالتزام بالحق الدستوري في المعلومات وشفافيتها لضمان وجود
دراسات محايدة يقوم عليها المجتمع المدني والأكاديمي لتقييم السياسات وتقديم التوصيات اللازمة لضمان فعاليتها.
● تخفيض ضريبة القيمة المضافة التي تثقل كاهل المستهلكين والالتزام بتحصيل ضرائب الأرباح الرأسمالية التي
تفرض على الأيسر حالا بطبيعة الأمر، عوضًا عن تأجيلها أو تجميدها، وذلك لتوفير الموارد اللازمة لضمان الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية.

للاطلاع على الورقة بالكامل والتحقق من المراجع وإمكانية تحميلها أضغط على الرابط التالي:

الورقة كاملة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.