الزواج المبكر يعيق دخول المرأة إلى سوق العمل واحتمال فقرها

الزواج المبكر أصبح يشكل خطراً على الجنسين وبالأخص على الفتاة الصغيرة، حيث يعرضها لمخاطر صحية وجسمانية ونفسية، هذا بالإضافة إلى حرمانها من التعليم مما يعرضها للأمية وللفقر معاً.. وتأخذ مشكلة الزواج المبكر أبعاداً تنعكس على الجيل الذي يتخلف الأطفال الذين ستنجبهم ولا يتلقون الرعاية الكاملة والصحيحة من أمهم الصغيرة الطفلة، التي لم تستكمل هي أيضاً الرعاية الكاملة من أسرتها.
أسباب انتشار الزواج المبكر
بسبب الموروث الاجتماعي والقيم التقليدية التي حصرت دور المرأة في الإنجاب والزواج، رسخت اعتقادات لدى الفتاة أنّها مهما تعلمت فإنّ شهادتها للمطب، أي مكانها الأساسي هو بيت زوجها وإنجاب الأطفال فقط دون النظر إلى قدراتها الذهنية والجسدية وطموحاتها… بمعنى آخر أنّه لا فائدة من تعليمها!!
كما رسخت مخاوف أخرى عند الفتيات هو أنّ العنوسة من حظ الفتاة التي تسعى إلى استكمال تعليمها… وأيضاً مفهوم أنّ الزواج المبكر هو ستر للفتاة والتخوف من أن تجلب العار لأسرتها.
تقول الطالبة الجامعية عواطف محمد، إنّ كثيراً من الأهل ينظرون إلى الزواج المبكر للفتاة أنّه ستر وغطاء لها، وراحة وطمأنينة لهم منها.. برغم أنّ الزواج بحد ذاته مسئولية كبيرة ترمي على عاتق الفتاة الصغيرة التي لم تتلقَ بعد الرعاية والتربية الكاملة من أبويها حتى تصبح أماً قادرة على الإنجاب وتربية أطفالها إذا ما ولدت..
وتقول انتصار موظفة إنّ فكرة الزواج المبكر هي فكرة ذكورية تنصب بالأساس لمصلحة الرجل سواء من طرف الأب أو من طرف من سيتزوج بها، فالطرف الأول من مصلحته أنّه يتخلص من مسئولية ابنته من ناحيتين هي مصاريفها والفائدة من وراء زواجها – كسبه للمال – والناحية الثانية أنّ الفتاة تعتبر عاراً لأسرتها وزواجها هو ستر لها ولهم، أما مصلحة الطرف الثاني – وهو الذي سيتزوج بها – أنّه سيأخذ طفلة يستطيع أن يسيطر عليها ويتحكم بأفكارها بل ويربيها بطريقته هو لأنّه مهزوز الشخصية ويجد نفسه أنّه لا يستطيع فرض شخصيته إلا على طفلة ليس لها خلفية في الحياة.. فالزواج المبكر يعبر عن أنانية رجل يسعى لمصلحته فقط..!!
ويقول د . عبد القادر البناء في البحث الذي أعده عن الآثار الاقتصادية والتنموية للزواج المبكر للفتيات :
إنّ التشريع اليمني يشجع استمرار هذه الظاهرة خصوصًا بعد أن عدل المشرع اليمني نص المادة القانوني (15) من القانون رقم 20 لسنة 1990م، التي كانت تنص وتؤكد على عدم جواز تزويج الصغير، ذكراً أو أنثى دون بلوغ سن 15 سنة، إلى صيغة عامة للنص البديل لتعقد المشكلة وتفتح الباب لتزويج الصغار، بدلاً من اشتراط ضوابط إضافية لمنع الزواج المبكر، حيث اعتبرت عقد ولي الصغير صحيحاً بثبوت المصلحة، وألغت التحديد السابق للسن القانونية للزواج، مع إيرادها إشارة عامة أيضاً تنص فيها “بأنّ لا تزف الفتاة إلا إذا كانت صالحة للوطء”.
ومثل هذه النصوص العمومية وغير القاطعة تفتح الباب واسعاً لاجتهادات تحديد ثبوت المصلحة وصلاح الوطء، ولا يمكن فهم اللجوء إليها، كبديل للسن المتحددة سابقاً إلا باعتباره نوعاً من لتشجيع والترغيب باستمرار الزواج المبكر، برغم أنّ هذا التعديل يتعارض وعدد من نصوص قوانين نافذة أخرى : كالقانون المدني، وقانون حقوق الطفل وقانون رعاية الأحداث وغيرها من القوانين التي أوردت نصوصاً تعريفية وتحديدات صريحة لسن الرشد وللأهمية وللطفل وللطفلة والحدث وهي نصوص مع احتوائها لتعارضات عدة فيما بينها، إلا أنّها احتوت تحديدات لأعمار معينة تمنع أي اجتهاد حول في مفهوم الطفلة أو الحدث أو سن الرشد وتوضح كثير من الحقوق المكفولة لهؤلاء، وهي حقوق تتنافى كلياً وإطلاق يد الوصي مثلاً للتحكم في مصير الفتاة بتزويجها صغيرة بناء على اجتهادات وتقديرات شخصية.
النساء أكبر نسبة في الزواج
وعن مدى انتشار ظاهرة الزواج المبكر في المجتمع اليمني، فإنّ الأرقام تشير إلى ارتفاع نسبة الزواج المبكر وارتفاع نسبة النساء المتزوجات في أعمار صغيرة عن نسبة الرجال، حيث تبين أنّ الفئة العمرية 10 – 19 سنة قد شكلت 75 وهي أعلى نسبة من الفئات العمرية الأخرى في حين أنّ الفئة العمرية نفسها من الرجال قد بلغت 25 وهي أقل نسبة من الفئات العمرية الباقية.
وتبيذن المؤشرات الإحصائية أنّ الزواج المبكر للفتيات قد يكون في كثيرٍ من الأحايين من رجال يكبرونهن في العمر وليس من الفئة العمرية نفسها.
كما أنّ الإحصاءات تشير كذلك إلى أنّ غالبية النساء يتزوجن وهن في سن الخامسة عشرة حيث يمثلن 48 من إجمالي النساء في الفئة العمرية، أقل من خمس عشرة سنة إلى ثماني عشرة سنة بل أنّ النتائج تشير إلى أنّ ما يقارب 13 منهن قد تزوجن أكثر من مرةٍ للنساء اللواتي سبق لهن الزواج حسب العمر عند الزواج وعدد مرات الزواج – وفق نتائج المسح الديموغرافي لصحة اللأم والطفل – الدورة الثانية 79م حيث ينتشر بين الفئة العمرية 15 سنة وأقل ويشكلن 48 من إجمالي الفئات العمرية من < = 15 – 18 سنة، كما أنّ 13 منهن قد تزوجن أكثر من مرة. والملاحظ كذلك أنّ النسبة تقارب بين الريف والحضر، فيما يتعلق بانتشار ظاهرة الزواج المبكر بين النساء حيث أنّ 91 من النساء في الأعمار <15 = – 18 سنة، قد تزوجن لمرة واحدة، وأنّ ما يقارب 9 منهن قد تزوجن أكثر من مرة.
ويعلق أحدهم بالقول : عندما نقول 16 سنة أو أقل فإننا نتوقع أن تبدأ من سن 10 – 11 سنة، وقد بيّن المسح القاعدي للصحة الإنجابية عام 2000م أنّ 24.6 من النساء تزوجن بين 10 – 14 سنة، و56 في عمر 15 – 19 سنة. والمشكلة الأكثر خطورة لا تكمن في الزواج المبكر في حد ذاته ولكن في الحمل والإنجاب المتكررين. (الحوري، 2003، ص : 19).
الزواج المبكر وأضراره على تعليم الفتاة
يعيق الزواج المبكر الفتاة حقها في التعليم والتأهيل رغم أنّ التعليم حق ومطلب أساسي كفلته الشرائع السماوية للإنسان قبل القوانين الوضعية. فأصبح العلم بذلك فريضة على كل مسلم ومسلمة وديننا الإسلامي يدعو إلى العلم إذ قال الله سبحانه وتعالى : “اقرأ باسم ربك الذي خلق”.. والعمل هو معجزة هذا الدين وه الذي تقوم به الحضارات والتحضر ويؤدي دوراً بارزاً في إعداد الإنسان ليصبح إنساناً متحضراً منتجاً قادراً على مواجهة تحديات الواقع مؤدياً ما عليه من واجبات آخذاً ما له من حقوق بوعي وإرادة قوية.. وبرغم أهمية التعليم للمرأة كحصانة لها من الفقر ومن أمور عدة.. ولكن، يقف الزواج المبكر حائلاً من تعليم الفتاة.. حيث أشارت الدراسات إلى أنّ معدل الأمية بين الإناث مرتفع أكثر من الذكور.. ففي الدراسة التي أعدتها د. نجاة الفقيه عن “العنف المجتمعي وتعليم الفتاة” إنّ معدل التحاق الفتيات للفئة العمرية 6 : 14 سنة في العام الدراسي 2000 / 2001م يبلغ (46.7) مقابل (67.6) للذكور. وأنّ أمية بين النساء في الفئة العمرية أكثر من (15 سنة) تصل إلى (70.8) فيما لا تتعدى (28.2) للذكور وتزداد هذه النسبة بين الإناث في الريف لتصل إلى (80.6) وذلك عام 1998م.
وتؤكد العديد من الدراسات والبحوث التي أُجريت حول تعليم المرأة، أنّ تعليمها يقلل من ظاهرة الزواج المبكر، فكلما ارتفع المستوى التعليمي للمرأة كلما أدى ذلك إلى تأخير سن الزواج لديها.
كما أظهرت نتائج مسح ظاهرة الفقر في المجتمع اليمني 1999م، أنّ من أسباب التسرب من التعليم الأساسي للأسر الفقيرة، وغير الفقيرة على مستوى الجمهورية ترك الدراسة من أجل الزواج. والجدول التالي يوضح التوزيع النسبي لكل من الذكور والإناث في الأسر الفقيرة وغير الفقيرة والإناث على مستوى الريف والحضر :
يوضح الجدول السابق أنّ ترك الدراسة في مرحلة التعليم الأساسي من أجل الزواج ينتشر بين الأسر غير الفقيرة أكثر من الأسر الفقيرة، كما أنّه يرتفع بين الإناث عنه بين الذكور وفي الحضر أكثر منه في الريف.
الملاحظ أنّ هذه الإحصاءات تنفي كثير من المعتقدات والأفكار الشائعة بين العامة من أنّ التسرب من التعليم من أجل الزواج هو أكثر انتشاراً بين الأسر الفقيرة وأنّه في الريف أكثر من منه في الحضر.
عواقب وخيمة
ولعل كثير لا يتنبه إلى عواقب حرمان المرأة من التعليم وتحميلها مسئولية الزواج في سن مبكر.. حيث تقول ن : وهي أرملة لم تكمل تعليمها وتزوجت مبكراً إنّها لا تجد من يعيلها بعد وفاة زوجها.. فالطريق الذي ارتسم أمامها هو أن تمد يدها للغير (تشحث) لأنّها لا تملك مهارة ولا علم تعمل منه.
وتقول فاطمة أم لخمسة أولاد إنّها تعمل فراشة لتصرف على أولادها خصوصًا بعد أن مات زوجها.. فهي كانت تعيش في ظروف جيدة عندما كانت مغتربة في السعودية لكن لسبب الظروف دفعتها إلى العمل وتعلق : “لو كنت أكملت تعليمي لما احتجت أن أعمل فراشة وغيري أن تشحث في الشوارع لتؤمن على قوت يومها… وكثير هن النساء اللاتي يشحثن في الشوارع فهذه نتيجة طبيعية من حرمان المرأة من التعليم وتأهيلها.. فالأمية مرتبطة بفقر المرأة كما أشارت دراسات عديدة والفقر يقودها إلى حاجة الغير ومد اليد أو إلى عدم الاستقلالية المالية في أسرتها وأولادها.
وتشير الدراسات والإحصاءات إلى أنّ للزواج المبكر كثير من الانعكاسات السلبية على مستوى الفرد الأسرة والمجتمع، حيث تؤكد معظم الدراسات وأوراق العمل على أنّ الزواج المبكر يسهم في تكريس الأمية والفقر في المجتمع اليمني بشكل عام وبين النساء بشكل خاص، كما أنّه عامل أساسي من عوامل ارتفاع نسبة الخصوبة في المجتمع اليمني، وله آثار سلبية صحية وخيمة على صحة الأطفال والأمهات في الوقت نفسه، وغيرها من الآثار السلبية في المجتمع اليمني.
وأكدت العديد من الدراسات وأوراق العمل أنّ هناك عَلاقة بين الزواج المبكر وتأنيث الفقر في المجتمع اليمني الزواج المبكر، وأنّه يعد من الأسباب الرئيسة لفقر المرأة.
حيث يرى الشرجبي (2002م) أنّ من أسباب فقر المرأة اليمنية الزواج المبكر والذي يعيق المرأة عن الدخول إلى سوق العمل، بل ويرى أنّ هذا السبب يعد من أهم الأسباب التي تؤدي إلى احتمال وقوع الفقر على النساء.
كما يرى أنّ ارتفاع نسبة الخصوبة والدور الإنجابي للمرأة اليمنية، وهو الذي ينتج عن انتشار ظاهرة الزواج المبكر والذي يحرم الفتاة من التعليم أو الحصول على تأهيل وتدريب كافٍ يمكنها من الحصول على وظيفة أو عمل حديث وتتفرغ المرأة لرعاية أسرتها والعمل لحسابها دون أجر.
14 أكتوبر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*