تعمل الأمم المتحدة على إصدار وثيقة عن كل جلسة انعقاد للجنة أوضاع المرأة، وكما هو متبع أصدرت وثيقة عن الجلسة 62 حول التحديات والمعوقات أمام تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة والفتاة الريفية، وفي هذا السياق تأتي ورقة العرض هذه لأبرز ما تناولته وثيقة هذه الجلسة، وتقديم رؤية حوله.

 

جدير بالاهتمام رصد الفقرات الافتتاحية للوثيقة التي سعت لربط و تعدد المرجعيات الحقوقية من اتفاقيات وإعلانات دولية معنية بحقوق النساء بموضوع الجلسة ” تمكين المرأة الريفية”، ولم تكن المرجعية حقوقية وفقط وإنما اتسع النطاق لعدد كبير من اتفاقيات التنمية الملزمة للحكومات. فأشارت الفقرات الثلاث الأولى إلى إعلان منهاج بيكن كمرجعية حقوقية نسويه ملزمة، إضافة لاتفاقية وقف أشكال التمييز ضد المرأة  (CEDAW)، والبرتوكول الاختياري، واتفاقية الطفل، واتفاقية مناهضة العنصرية، اتفاقية حماية حقوق العمالة المهاجرة، واتفاقية حقوق المعاقين،واتفاقية وقف الاتجار بالبشر،  الإعلان العالمي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. إضافة لاتفاقيات منظمة العمل الدولية

وعلى صعيد اتفاقيات التنمية الملزمة، أشارت الوثيقة الختامية إلي كل من إعلان الحق في التنمية، واتفاقية حماية الشعوب الأصليين، وثائق مؤتمر ريو للتنمية، اتفاق باريس ، واتفاقية حماية المناخ، وإعلان الأمم المتحدة لحماية المهاجرين واللاجئين، الوثيقة الختامية لمؤتمر السكان والتنمية القاهرة 94، وخطة العمل المرتبة عليه، مناهج الحفاظ على تنمية الجزر الصغيرة، اتفاقية مواجهة الكوارث الطبيعية، أجندة أديس أبابا، الأجندة الحضارية الجديدة والمكملة لتحسين أوضاع المرأة.

كما تضمنت الإشارات للاتفاقيات الإقليمية الملزمة كإعلان القاهرة الصادر عن جامعة الدول العربية، أو إعلانات واتفاقات الإسكوا ،وغيرها في اتفاقات إقليمية أخرى.

وبالمثل أكدت الفقرات الافتتاحية على احترام لجنة أوضاع المرأة على احترام دور الآليات الوطنية من مؤسسات رسمية حكومية ومجالس قومية في متابعة التدخلات الممكنة لتحسين واقع المرأة والفتاة الريفية، واحترام المجتمع الدولي للتشريعات الوطنية والسيادة الوطنية للوفود الرسمية المشاركة بالجلسة 62.

وتناولت الوثيقة تباعا عدد من القضايا الفرعية ذات الصلة بتمكين المرأة والفتاه الريفية، كالتركيز على أشكال التمييز المتقاطعة مع المرأة الريفية والتي كالفقر، الحرمان من التعليم، الوصول لخدمات الصحة، الوصول للأراضي، الأمن الغذائي، الموصلات وحرية الحركة، وصول الريفيات للتكنولوجيا والتواصل الرقمي، الختان والعنف ضد المرأة في المجال العام، المشاركة السياسية للمرأة الريفية.

وتبنت الوثيقة الختامية قضايا بعينها، عملت على إبرازها بشكل رئيسي، والنظر لها باعتبارها أولويات للعمل لتمكين المرأة والفتاة الريفية، جاء منها في مجال الصحة العمل على ثلاث نقاط كأولوية: وصول الريفيات للخدمات الصحية، تحسين وأتساع مظلة التأمينات الصحي، توفير الدواء.

كما اشتملت الوثيقة العمل على وقف العنف ضد النساء والفتيات في المناطق الريفية بما فيه مواجهة التحرش الجنسي في البيئات الريفية والتي عادة ما يكون العنف الجنسي ممارسة مسكوت عنها، واشتملت فقرة عن وقف العنف ضد الطفلات  والعمل كأولوية على مواجهة الختان، الزواج المبكر، وتعزيز البنية التشريعية والقانونية الحامية للنساء الريفيات من العنف ضد المرأة.

كما جاءت فقرة خاصة بمناهضة الفقر والحد من الفقر متعدد الإبعاد إي رصد أوجه الحرمان المتعددة والمتداخلة، كالحرمان من التعليم المنتظم، والدائم، الوصول لخدمات الصحة، كفاءة البنية المؤسسية، تغيير سعر الصرف، آثر التضخم على الاحتياجات الأساسية وتنامي مؤشراتها بشكل غير تقليدي وغير ثابت وهي كلها مناحي يمكن قياسها في مؤشرات الفقر متعدد الإبعاد، حيث لم يعد الفقر النقدي أو فقر الدخل او ضعف الأجر هو القياس الوحيد للفقر، وهو ما يسعى إلى قياسه مؤشر أكسفورد للفقر والتنمية المستدامة (تقرير الفقر متعدد الأبعاد في البلدان العربية) ، كما امتددت الفقرة لتشمل النساء الريفيات ذوي الاحتياجات الخاصة أو أصحاب الإعاقة باعتبارهن نساء يواجهن أشكال متقاطعة من التمييز “intersectional discrimination” .

فحين اشتملت الفقرات الاختيارية وهي الفقرات محل الجدل والتفاوض للوفود الرسمية مع المجتمع المدني ولجان الاتفاقيات الحقوقية عديد من الملاحظات حول قضايا متعددة ذات صلة بالمرأة الريفية ومنها ما تعلق بصحة المرأة الريفية حيث تراجع العمل على قضايا الصحة الإنجابية والجنسية للنساء والفتيات الريفيات، وكل ما يتعلق بالتعريف غير التقليدي للأسرة والمثلية، توفير فرص الإجهاض الأمن.

حول الوصول أو النفاذ للعدالة لم يعد تقييد وتسجيل المواليد احد النقاط الرئيسية في الفقرات الرئيسية بالوثيقة، كما تراجع العمل على محو الأمية القانونية والتشريعية للمرأة الريفية إلى حيز الفقرات الاختيارية.

كما تراجع فيما يخص التمكين الاقتصادي تصعيد التعاون مع القطاع الخاص وإلزامه بمهام المسؤولية المجتمعية عن صدارة التوصيات، وتراجع  إلزام الحكومات نحو شراكات تنمية مع القطاع الخاص. فيما انسلخ النظر للعمالة في القطاع غير الرسمي عن متن الفقرات الأساسية، وجاء ذكرهم في الفقرات الاختيارية في الوثيقة. وتراجعت بالمثل العمل على تأهيل النساء الريفيات المستهدفات من الكوارث الاقتصادية والبيئية، كما تراجع العمل على قضايا الإجبار على العمل والسخرة والعبودية. وتراجع بالقدر نفسه الذكر عن العمالة الوافدة أو المهاجرة، وجميعها أصبح في متن الفقرات الاختيارية.

في مجال التعليم، تصدر الفقرات الرئيسية مفهوم التعليم المستدام أو الدائم، التعلم التكنولوجي والرقمي، وتراجع في الفقرات الاختيارية، إلزامية التعليم، وتيسير الوصول لخدمات التعليم التقليدي أو الأساسي.

في مجال الزراعة، تصدر العمل على الأمن الغذائي والتغذية السليمة صدارة الفقرات الرئيسية في حين تراجع الوصول للأراضي وتوثيق الملكية لحيز الفقرات الاختيارية.

وفي مجال الوصول للمصادر وتحسين البيئة المحلية، تصد العمل على قياس كفاءة البنية الأساسية، والعمل على التطور التكنولوجي، والطاقة النظيفة، والمواصلات الآمنة، والمجتمعات المستدامة صدارة الفقرات الرئيسية، في المقابل تراجع الذكر عن المشاركة المجتمعية والمحلية لحيز الفقرات الاختيارية.

في مجال حرية التعبير والتنظيم، لازال الانضمام إلى النقابات الزراعية والعمالية في ضمانه الفقرات الرئيسية، وشراكة الحكومات مع مؤسسات المجتمع المدني،في حين تراجع لحيز الفقرات الاختيارية، التعاونيات، وتيسير فرص المشاركة السياسية والمشاركة في صناعة القرار السياسي والتنظيمي، وأوضاع المجتمع المدني في الدول النامية.

في مجال الإعلام، تصدر الإعلام الاليكتروني والرقمي صدارة الفقرات الرئيسية، وتيسير وصول الريفيات لخدمات الإعلام الاليكترونية،في حين تراجع المساس بحرية الإعلام والتعبير وتوفير وسائل الإعلام التقليدية إلى حيز الفقرات الاختيارية

كما جاءت المسودة قبل الأخيرة، بالإشارة إلى ضرورة عمل الحكومات في مجال توفير البيانات الكاشفة عن بعد النوع الاجتماعي، وتوفير البيانات حول النساء ومقارناتها بالرجال أصبح موضوع مطروح بشكل ملحوظ على الصعيد الدولي.

فيما يخص تمويل التنمية الريفية ، تصدر بالفقرات الرئيسية ضرورة عمل الحكومات على تعبئة الموارد وتوفيرها من اجل مجتمعات محلية ريفية مستدامة اقل خطر على البيئة، والعمل على إشراك النساء والفتيات في المناطق الريفية في حل النزاعات المسلحة، في المقابل لم يكن هناك إشارات طيلة الوثيقة حول سياسات الاقتصاد الدولية، بما فيها سياسات المؤسسات المالية العالمية، كسياسات الصندوق والبنك الدولي والعاملة في تحسين فرص التنمية بالدول النامية.

ملاحظات حول الوثيقة النسخة الأخيرة

  1. علينا في بداية الأمر أن نؤكد على أن وثيقة جلسات لجنة أوضاع المرأة ليست بالوثائق الملزمة، وإنما يعد متابعة CSW فرصة للتشبيك وبالتالي للتمويل، وأيضا فرصة للتدريب في الدخول في نقاشات ومفاوضات مؤثرة وفعالة إذا ما أتيح لمجموعات العمل بالمجتمع المدني تنسيق لقاءات تشاوريه مع الوفود الرسمية المختلفة بهدف الضغط على مزيد من سحب التعهدات على الحكومات الوطنية وإلزامها بتدخلات أكثر جذرية وفاعلية.
  2. لم تشر وثيقة الجلسة 62 أي إشارات على طبيعة الاقتصاد العالمي، وتأثيره على تدخلات التنمية في الدول النامية، كما لم تنظر لطبيعة التكتلات الجديدة الجنوب الجنوب وأهمية دعمها وتعزيز صناديقها، ومساعي دول كالهند الصين البرازيل وشيلي كدول تستطيع أن تتقاسم كعكة التمويل والمنح لبرامج التنمية، وإنما تجاهلت اللجنة أيجاد إي فرص للحوار حول تمويل التنمية، واقتصرت على المفهوم التقليدي وهو دول الشمال المانحة لدول الجنوب الفقير.
  3. ندرة استخدام مفاهيم ومصطلحات “اللامساواة والمساواة” من الفقرات الرئيسة في الوثيقة، وإحلالها بمفردات ودلالات أخرى كتنمية الأوضاع، تحسين، تعزيز ، وهو ما قد يفيد بتراجع على مستوى اللغة الحقوقية حتى وإن شغلت المواثيق الحقوقية قرابة ثلثي الديباجة الافتتاحية للوثيقة.
  4. القضايا التي تم تراجعها لحيز الفقرات الاختيارية، ومدى أهميتها للنساء الريفيات خاصة في الدول النامية، كالوصول إلى الأراضي وتمليكها للنساء، تراجع ضمانة المشاركة السياسية للريفيات، تراجع العمل على قضايا الصحة الإنجابية والحقوق الجنسية رغم إنها قضايا ذات صلة بالعمل على العنف، تراجع الحكومات عن القيام بدورها في الحد من تغول القطاع الخاص وسياسات الاستثمار ، عدم التعرض المباشر والرئيسي لأوضاع المجتمع المدني في الدول النامية باعتباره شريك أصيل في عملية التنمية، جميعها مؤشرات هامة تسهم في تحديد أولويات العمل الوطني على قضايا النساء ولكنها أيضا بحاجة ملحة لمقاومة المجموعات الوطنية، والعمل للضغط والتعاطي مع الأسباب غير المباشرة والأكثر تأثيرا على تحرك الأولويات وتبادل صعودها وهبوطها، والتمسك بالأولوية الوطنية ومساعي الدفع بها في تزاحم صعب مع محددات العمل الدولي للعمل على قضايا النساء.

نيفين عبيد

منسق برامج بمؤسسة المرأة الجديده

nevine