الإلتزام بالتوقيع على سيداو ليس بالجديد فى خطاب الحكومة خاصة على مستوى وزارة العدل وهى المعنية بصياغة التشريعات والإشراف على منظومة القوانين الوطنية …..فقد التزم وزير العدل قبل السابق ” مولانا بشارة دوسة ” وتحت ضغط منظمات المجتمع المدنى خاصة ” النسائية ” منها فى عام 2012 م وأمام مجلس حقوق الانسان والسودان يقدم التقرير الشامل الدورى لحقوق الانسان ”  “UPRأن من أولى التزامات حكومة السودان التوقيع والتصديق على اتفاقية سيداو ……الشاهد ان حكومة السودان وكالعادة فى مجال مخاطبتها للمجتمع الدولى وموسساته لها أكثر من لسان …أحدهم للمجتمع الدولى للتصالح معه وخلق منصات التفاهم لجلب الدعم والاخر للمنظمات الحقوقية والنسائية فى محاولة لسحب كروت الضغط المتزايدة والثالث عادة ما يكون مختلف كليا وهو موجه الى المؤسسات الدينية التى ترتكز عليها السلطة الحاكمة كقاعدة اجتماعية مساندة لها علما بأن سلاح ” الدين ” هو أمضى سلاح تستخدمه سلطة الانقاذ منذ عام 1989 م .

فى هذه الحالة يصبح الالتزام بالتوقيع على سيداو من المطبات الحقيقية التى تواجه السلطة فى السودان وهى تبذل كل ما فى وسعها وما تمتلك من مفاتيح المناورة لتبقى على الحياة وبلغة أخرى ” Live ”  ولو على الهامش وهدفها الاساسى والاستراتيجيى الحفاظ على مصالحها الاجتماعية والاقتصادية ومن ثم حماية مصالح الطبقة الاجتماعية الجديدة فى السودان .

بالتأكيد فى ظل هذه الاوضاع التى ذكرتها والتى تواجه السلطة فيه مأزقا ليس من السهل التعامل معه خاصة ” الموسسة الدينية ” يصبح من المستحيل توقع التزام سياسى او أخلاقى بالتوقيع على الاتفاقية …..علما بان فرصة التحفظ بالنسبة للسودان قد انتهت ولا يملك الا التصديق على الاتفاقية …..مع ان الداعمين للتصديق من جانب الحكومة وهم كثر بالمناسبة يرسلون اشارات مطمئنة لرجال الدين بان من حق السودان أستخدام التحفظ الذى تكفله لهم مواثيق الامم المتحدة بشكل عام وهى نقطة ايجابية تحفظ لهم ولكن يصبح السؤال المحورى لاى مدى تستطيع هذه المجموعات الداعمة للتصديق على الاتفاقية الصمود فى وجه الرياح العاتية التى ترسلها جيوب المقاومة وقد شهدنا الموقف المتراجع لوزارة العدل ممثلة فى أعلى مستوى لها حيث أعلن رسميا أن لا نية لحكومة السودان فى التوقيع على الاتفاقية مما يؤكد قوة وصلابة وسيادة الموسسة الدينية على الوضع السياسى والقانونى بشكل خاص فى كل ما يتعلق بملف اوضاع المرأة السودانية ……….ولنا تجربة حية وان كانت سالبة فى لجنة تعديل سن الزواج فى قانون الاحوال الشخصية لتتماشى مع قانون الطفل الذى يحدد سن الطفولة ب 18 عاما وهذا القانون يستند على المواثيق الدولية …..حيث استطاع بعض من رجال الدين قفل هذا الملف . وعليه يصبح الحديث عن مدى زمنى لا ضمانات له فى ظل عدم ثبات السياسات والتشريعات الكلية فى السودان وهى تعبر فى النهاية عن طبيعة الدولة ولا يمكن فصل موقفها فى مجال التشريع عما تستند عليه من مصالح خاصة بها .

بالتأكيد سوف يحدث التوقيع والتصديق على اتفاقية سيداو نقلة نوعية فى منظومة القوانين المتعلقة بأوضاع النساء السودانيات فى مختلف أوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية خاصة وفى مسيرة الحركة النسائية الديمقراطية وعملها فى أتجاه حماية حقوق المرأة التاريخية التى اكتسبتها عبر تاريخها النضالى ولها السبق فى ذلك سواء على المستوى الاقليم العربى او الافريقىي , والعمل كذلك على اضافة مزيدا من الحقوق خاصة المقاربات مع المعاهدات والمواثيق الدولية . اذ ما زالت هناك كثير من القوانين تتناقض مع نصوص دستورية وبعيدة كل البعد عن بعض المواثيق والمعاهدات الدولية بما فيها التى وقعت عليها حكومات السودان من قبل او التى وقع عليها النظام الحالى …..مثل التوقيع على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل .

أن التوقيع على اتفاقية سيداو يعطى الموسسات الحكومية الفرصة لمراجعة المنظومة القانونية فيما يخص التشريعات المتعلقة بحقوق المرأة وجعلها اكثر مقاربة مع المنظومة الدولية وهى فرصة تاريخية للتعامل مع المرأة ” كمواطنة ”  تتمتع بكافة حقوق الانسان. كما تعطى المشرع الفرصة لوضع برنامج متكامل لتدريب وتأهيل الموسسات ذات الارتباط الوثيق بتنفيذ هذه التشريعات خاصة الهيئة القضائية , بالاضافة الى دفع الموسسات الحكومية لوضع السياسات وتنفيذ القرارات التى تعمل على ان تكون هذه القوانين والتشريعات واقعا فعليا ومعاشا بحق وحقيقة وليس رضوخا الى ضغوط المجتمع الدولى . يتبع ذلك بالضرورة قيام اليات المتابعة والتقييم على كافة المستويات والقطاعات مما يخلق دفعة قوية فى اوضاع النساء فى كافة الجبهات خاصة النساء على مستوى الريف حيث المعاناة تتضاعف من حيث سيادة الموسسة ” الابوية ” والعادات والتقاليد والاعراف التى تكرس لدونية المرأة وتضعها خارج دائرة الفعل  الايجابى والانسانى …..وأحيانا خارج دائرة التاريخ

 

أخيرا , نتطلع الى قرار حاسم يعيد للموسسات التنفيذية والتشريعية الحق فى اتخاذ القرارات  التى تعيد لها الهيبة والمهنية بعيدا عن ضغوط الموسسة الدينية التى نجحت فى ضرب مواقع متقدمة للمرأة السودانية اكتسبتها بنضالات متواصلة لرائدات الحركة النسائية الديمقراطية ومتجذرة فى مسيرة العمل العام من أجل خلق واقع يتماشى مع تطلعات شعبنا من أجل العدالة الاجتماعية وتحقيق المساواة ……وما زال الحراك النسائى يتمترس بكل ضراوة  من أجل الحفاظ على الحقوق المكتسبة وحمايتها ويعمل بكل مصادمة وثقة فى أن يكون المستقبل للاجيال القادمة .

 

 

 

نعمات كوكو محمد

باحثة فى قضايا التنمية والنوع الاجتماعى

مركز دراسات الجندر

الخرطوم – السودان