
تأملات ومعاني في دليل البلوجر المثالي تساؤلات عن الجرائم الإلكترونية من منظور نسوي
أغسطس 6, 2025
ويبينار المراقبة والعقاب: حول تقييد المساحات الرقمية لصناعة المحتوى .. تجارب ناشطات عربيات نحو فضاء نسوي
أغسطس 14, 2025من النبطشية إلى السخرة .. تدهور معايير العمل اللائق في مصر
عقب الاستقالة الجماعية لثلاث عشرة طبيبة من قسم أمراض النساء والتوليد في أحد المستشفيات الجامعية، شهد الوسط الطبي حادثة مأساوية أخرى تمثلت في وفاة الطبيبة الشابة سلمى نتيجة الإرهاق الشديد. هذه المأساة لم تكن الأولى من نوعها، فقد سبقتها حالات مشابهة تحت وطأة النوبات الطويلة وسوء ظروف العمل. تكشف هذه الوقائع عن غياب منظومة واضحة لمعايير العمل اللائق في المستشفيات المصرية، وهو غياب لا يقتصر أثره على الأطباء فحسب، بل يمتد ليهدد استقرار النظام الصحي بأكمله. وفي هذا السياق، يبرز تناقض واضح بين الواقع والطرح الذي تقدمت به إحدى النائبات في البرلمان في مايو الماضي لتخفيض الإجازات بدعوى أن المصريين لا يعملون بما يكفي، متجاهلة أن ملايين العاملين – ومنهم الأطباء – يؤدون ساعات عمل أطول من المعايير القانونية والدولية، وغالبًا في ظروف مجهدة تفتقر للحد الأدنى من الأمان المهني.
غياب معايير العمل اللائق في القطاع الصحي يمثل عبئًا مضاعفًا على الطبيبات، إذ يجمع بين استنزاف مهني وجسدي في بيئة عمل مرهقة، وضغوط اجتماعية وأسرية تقع غالبًا على عاتق النساء. فالنوبات الطويلة بلا فترات راحة كافية، وسوء توزيع المهام، ونقص الكوادر، كلها تعني أن الطبيبة تُطالَب بأداء أدوار فوق طاقتها في المستشفى، ثم العودة لتحمل مسؤوليات منزلية ورعائية غير مُعترف بها كعمل. هذا الضغط المزدوج لا يهدد صحتها النفسية والجسدية فحسب، بل يدفع الكثيرات منهن إلى الاستقالة أو الهجرة، ما يحرم النظام الصحي من كفاءات ضرورية، ويعمّق الفجوة الجندرية في سوق العمل الطبي.
إن استمرار هذه الأوضاع، مقرونًا بضعف الأجور، ونقص الحوافز، وانعدام الحماية المهنية، يسرع من وتيرة هجرة الأطباء إلى الخارج بحثًا عن ظروف عمل أكثر إنسانية وعدالة. هذه الهجرة لا تمثل خسارة فردية فحسب، بل عبئًا مضاعفًا على المواطنين الذين يواجهون نقصًا متزايدًا في الأطباء، ما ينعكس على طول فترات الانتظار، وتراجع جودة الخدمات، وارتفاع معدلات الإهمال الطبي.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن السياسات الاقتصادية الأوسع التي تُضعف الاستثمار في البنية الصحية، وتتعامل مع القطاع باعتباره بندًا يمكن تقليصه لصالح أولويات مالية أخرى. هذه السياسات، التي تفرض قيودًا على التوظيف وتضغط على الإنفاق العام، تخلق حلقة مفرغة من نقص الكوادر، وارتفاع الضغط على الموجودين، وانهيار بيئة العمل، وهو ما يدفع مزيدًا من الكفاءات إلى المغادرة، ويترك المواطن في مواجهة مباشرة مع تداعيات نظام صحي منهك.




