السلطة الأبوية في إيران .. مقبرة لأجساد النساء

ورشة إدارة الحملات
ورشة إدارة الحملات بالقاهرة .. حماية النساء أولوية
أكتوبر 10, 2022
مائدة مستديرة
نشر وتفعيل الآليات الدولية .. مائدة مستديرة في يوم المرأة الريفية.
أكتوبر 12, 2022

في ديسمبر 2017، خرجت الناشطة ويدا موحّدي إلى إحدى شوارع إيران؛ اعتراضًا على قانون الحجاب الإلزامي، فتنزع عنها حجابها الأبيض وتلوّح به. ألقي القبض عليها حينذاك وبعد إخلاء سبيلها قامت بتكرار هذه الواقعة من جديد، فصدر حكمًا ضدها هذه المرة بالسجن لمدة عام، لتنطلق حملة «فتيات شارع الثورة»،حيث أصبحت ويدا رمزًا لهذه الحملة، وقام عدد من الفتيات بنشر صورهن بدون حجاب على حساباتهن الافتراضية الشخصية أثناء التقاطها في أماكن عامة.

السلطة الأبوية في إيران

 

صدر قانون الحجاب الإلزامي في إيران بالتزامن مع «الثورة الإسلامية» عام 1979 ونجاحها في الإلمام بزمام الحكم من ذلك الحين، حيث صدرت حزمة من التشريعات تتعارض مع حقوق النساء ومن ضمنها خفض سن الزواج حتى سن 9 سنوات حينها، والإلزام بالحجاب بدءًا بالعاملات في القطاع الحكومي وصولًا إلى النساء جميعًا، وحظر بعض المناصب والوظائف على النساء، والفصل بين الجنسين في المجالات المختلفة، وحظر التعليم عن النساء المتزوجات. توالت هذه القرارات مظاهرات في يوم المرأة العالمي آنذاك بأعداد ضخمة من النساء في مدن إيران احتجاجًا على التشريعات المتعديّة على حقوقهن. توالت الحركات والموجات الاحتجاجية ضد القمع الممنهج إزاء النساء في إيران منذ ذلك الحين ومن قبلها حقيقةً؛ دفاعًا على حقوقهن في المجتمع بصورة عامة وحقهن الأصيل في حرية خلع الحجاب بشكل خاص.

 

الحجاب الإلزامي والقسري


في سبتمبر 2022، ألقى ضباط من شرطة الأخلاق بإيران القبض على فتاة كردية في عمر 22 سنة، وتدعى مهسا أميني، وذلك لارتدائها الحجاب بصورة لا تتوافق مع قواعد الحجاب الشرعي، بما يعد انتهاكًا لقانون الحجاب الإلزامي للنساء. اعتدت قوات الشرطة على مهسا أميني بالضرب، لتلقى حتفها بعد ثلاثة أيام
من نقلها للمشفى بعد واقعة ضربها. بينما أصدرت الشرطة رواية أن الفتاة انهارت في مركز الاحتجاز بعد إصابتها بفشل في القلب، إلا أن عائلتها كانت متمسكة بمسؤولية الشرطة في مقتلها.
تجمهرت أعدادًا في الشوارع، وانتُزِع فتيل هذه الحركة الاحتجاجية منذ جنازة مهسا أميني في 13 سبتمبر 2022 بمسقط رأسها في سقِّز، حيث قامت النساء بخلع الحجاب في الشوارع، بعضهن قاموا بإضمار النيران في الحجاب، بينما قامت نساء أخريات بقص شعورهن علنًا، كرمزية لرفض التحكم بجسدهن مرة أخرى. بدأت هذه الاحتجاجات في هذه المدينة، إلى أن انتشرت حول مدن إيران بأكملها، في مشهد ربما لم يتكرر من الحشد والتجمهر منذ خروج الآلاف تزامنًا مع الانتخابات الرئاسية في 2009 وفوز أحمدي نجاد بمزاعم وشكوك جدية حول تزوير نتائج هذه الانتخابات.

استمرت هذه الموجة الاحتجاجية رغم ما قابلته من عنف وبطش قوات الشرطة، أسفر عنه إلقاء القبض على عشرات من الشباب والفتيات ومقتل ما يزيد عن 15 شخص. كانت من ضمن الضحايا، فتاة دعي نيكا شاكَرَمي، تبلغ 16 عامًا، حيث عثرت أسرتها على جثتها في إحدى سجون العاصمة طهران. كانت نيكا مشاركة في المظاهرات بطهران، وتم اعتقالها على يد قوات الأمن، وأعلنت أسرتها أنها عثرت في جثتها على كسور في الأنف والرأس. وكانت قوات الأمن خطفتها من المشفى ودفنتها ليلًا، خوفًا من تصاعد الاحتجاجات مثلما حدثت في جنازة مهسا أميني.

السلطة الذكورية في إيران

وبالرغم من استمرار القمع الأمني للمظاهرات، بل وترويج شائعات حول مهسا أميني ونشر مقاطع فيديو تُنسب إليها زيفًا أنها تحرق القرآن الكريم، إلا أنه ما زالت الاحتجاجات في صفوف الشبان والفتيات، وخاصة مع بدء العام الدراسي بإيران حيث نشرن صور لهن داخل الفصول الدراسية دون الحجاب، واحتشدن في مدارسهن والشوارع يهتفن ضد الجمهورية الإسلامية، ولا زالت موجة الاحتجاجات قائمة ولم تنطفئ. 

وفي سياق آخر، تتابع النساء على وجه الخصوص في مصر الحراك الدائر في إيران، ولا يمكننا إغفال الرابط المشترك بين الفتيات في مصر وإيران والمعاناة المستمرة مع تجارب الحجاب القسري والنضال لنيل المزيد من حقوقهن في أجسادهن والحرية في الاختيار.

ربما لا يوجد نص تشريعي يلزم النساء في مصر بارتداء الحجاب، لكن يمكننا رصد وقائع في إطار مؤسسي داخل عدد من المنشآت التعليمية بإجبار الفتيات على ارتداء الحجاب، بل وكذلك على الطالبات المسيحيات منهن. بينما تنل هذه الممارسات الرضا بالسكوت عنها وتمريرها، بالرغم من انتشار شهادات وتحرير شكاوى ضد هذه الممارسات على مدار العامين الماضيين. كذلك، لا يمكننا الإغفال عن تداول المؤسسات التشريعية والقضائية لوقائع العنف ضد النساء في مصر والنظر لها كحادثة عنف مجردة من سياق مجتمعي ذكري، يفرض الوصاية ويهيمن على أجساد النساء، بل ويعاقبهن عن استمرار وجودهن في المجال العام، ومحاولات سعيهن المستمر نحو مزيد من نيل حقوقهن في أجسادهن وحرية الاختيار.

بجانب ذلك، نرى أحكامًا قضائية تصدر بحق مدانين بقتل نساء واستباحة دمائهن في الشوارع أو على مسمع من الجيران في المنازل، وتقتصر المحاكم فقط على إدانة فعل القتل وممارسة العنف، دونما النظر إلى موجات العنف المتوالية والمتزايدة إزاء النساء، لأسباب تتمحور فقط حول أجساد النساء وحقوقهن. بينما تجد النساء أنفسها أمام مسارات محدودة، إما رفض الانصياع لهذه القوالب المجتمعية سواء بمواجهة المجتمع أو بالالتفاف حول أفكاره، وإما القبول تمامًا بذلك أو ربما حتى اعتناقه، وفي كل هذه المسارات لا تنجو النساء أبدًا من تعرضها لعنف قد يصل بها إلى نهايتها بنحر عنقها في وضح النهار.

 

احتجاجات نسوية في إيران

نتابع -نحن النساء- هذه الاحتجاجات وكلنا شعور بالأسى تجاه نساءً في مختلف الأجيال، كانت ولا زالت تدفع أثمانًا بأجسادهن أحياءً، أو أرواحهن أمواتًا. ومؤمنين أننا لا نعيش بمعزل عن هذه التجارب القاسية بل ونرى مدى تقاطعنا معها وانعكاسها على معاناتنا في مجتمعاتنا المحلية، وآملين في انتزاع مساحات تضمن لهم العيش في مجتمعات آمنة تؤمن بحقهن في الحياة كما يختارونها.

 

المصادر:

 

مهسا أميني لم تحرق القرآن… كيف حاولت الأخبار المضللة تشويه الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة؟”، رصيف 22، 1 أكتوبر2022″
السيناريو يتكرر والصوت يعلو… تداعيات مقتل مهسا أميني في إيران”، رصيف22، 22 سبتمبر2022 ”
طردن المسؤولَ من المدرسة ودُفنت الفتاةُ سرّاً… آخر مستجدات الاحتجاجات في إيران”، رصيف 22، 5أكتوبر 2022″

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.