في الأسابيع السابقة تساءلنا ما الذي يدفع الطفل إلى سوق العمل قبل الأوان وتناولنا سوق العمل وأجور البالغين باعتبارهما أحد المحددات الأساسية لقدرة الأسرة على الإعالة،ثم انتقلنا إلى التعليم وعلاقته باستمرار الأطفال في المدرسة ودخولهم إلى العمل، قبل التوقف عند التدريب والتدرج المهني والتمييز بين تعلم المهنة وبين استخدام التدريب كمدخل إلى عمل الأطفال. وتوضح هذه الجوانب بعض مسارات دخول الأطفال إلى العمل،لكنها لا يمكنها وحدها تفسير عمل الأطفال في مصر إذ تتشكل القدرة على الإعالة داخل سياق اقتصادي أوسع تحدده سياسات الدولة تجاه الأجور والأسعار والإنفاق العام والحماية الاجتماعية. وقد اتجه برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ في 2016، والمدعوم من صندوق النقد الدولي،إلى تحرير سعر الصرف، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة،وخفض دعم الطاقة، إلى جانب إجراءات للضبط المالي. واستهدف البرنامج خفض الإنفاق الأولي بنحو 3.5% من الناتج المحلي،مع توجيه جزء من الوفورات إلى الغذاء والتحويلات النقدية وبرامج الحماية الاجتماعية
وينعكس أثر تلك السياسات على القدرة الاقتصادية للأسر على الإعالة. فالتغيرات في الأسعار والدخل والإنفاق العام لا تحدد فقط مستوى الموارد المتاحة للأسرة، وإنما تحدد كذلك مقدار ما تحتاج الأسرة إلى إنفاقه لتأمين احتياجاتها الأساسية،وما إذا كان دخل البالغين قادرًا على تغطية هذه الاحتياجات دون اللجوء إلى مصادر دخل إضافية.
ويكتسب التعليم قبل الجامعي أهمية خاصة في هذا السياق،لأنه يمثل البديل المؤسسي المفترض لوجود الطفل في سوق العمل. فمجانية التعليم قانونًا لا تعني أن الالتحاق به والاستمرار فيه لا يترتب عليهما إنفاق فعلي من جانب الأسرة. ووفق بيانات مسح الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2019/2020،بلغ متوسط إنفاق الأسرة على التعليم ما يمثل 12.5% من إجمالي إنفاق الأسرة، بينما شكلت الدروس الخصوصية وحدها 28.3% من الإنفاق على التعليم،وارتفعت النسبة في الريف إلى 36%. وتشير هذه الأرقام إلى أن الحصول على التعليم لا يخلو من تكلفة اقتصادية حتى عندما تكون الخدمة التعليمية الحكومية مجانية من الناحية القانونية. فتكاليف الدروس الخصوصية والكتب والأدوات والمواصلات والزّي وغيرها تتحول إلى جزء من تكلفة إبقاء الطفل في المدرسة، وهو ما يكتسب أهمية أكبر داخل الأسر منخفضة الدخل.
ولا تتعلق المشكلة بتكلفة فقط، وإنما بقدرة المدرسة نفسها على تقديم بديل ذي قيمة بالنسبة إلى الأسرة. فضعف جودة الخدمة التعليمية،إلى جانب مشكلات الموارد البشرية والبنية المدرسية وكثافات الفصول، يعني أن المدرسة قد لا توفر في الواقع المستوى الذي يجعل الاستثمار الأسري في استمرار الطفل في التعليم مضمون العائد. ومن ثم، فإن انخفاض الإنفاق العام على التعليم لا ينبغي قراءته بوصفه سببًا منفردًا لعمالة الأطفال، وإنما باعتباره جزءًا من البيئة التي تتحدد داخلها قدرة الدولة على توفير خدمة تعليمية جيدة ومتاحة. وتصبح العلاقة أكثر وضوحًا عندما تجتمع محدودية الموارد العامة مع ارتفاع التكاليف التي تتحملها الأسرة للحصول على تعليم فعلي. وقد حددت اليونيسف ارتفاع تكلفة التعليم وضعف جودته، إلى جانب الفقر وعمالة الأطفال، ضمن العوامل المرتبطة بعدم الالتحاق بالتعليم أو البقاء خارجه كما تتضمن بيانات المسح القومي لعمالة الأطفال لعام 2010 أسبابًا لعدم الالتحاق أو الاستمرار في المدرسة مرتبطة بعدم القدرة على تحمل تكاليف التعليم وعدم كفاية دخل الأسرة لتغطية نفقاته، إلى جانب أسباب مرتبطة بالعمل وإتاحة المدارس.
وهنا تظهر المفاضلة التي تواجه الأسر الأكثر هشاشة فالعمل يوفر دخلًا فوريًا، بينما يتطلب التعليم تحمل تكاليف حالية ويؤجل عائده الاقتصادي إلى المستقبل. ولذلك،فإن ارتفاع التكلفة الفعلية للتعليم، مقترنًا بمشكلات الجودة والإتاحة، يمكن أن يضعف قدرة المدرسة على منافسة العائد المباشر من العمل،خصوصًا عندما تكون الأسرة أصلًا غير قادرة على تغطية احتياجاتها من دخول البالغين. ولا يعني ذلك أن كل أسرة فقيرة ستدفع طفلها إلى العمل، وإنما أن بنية الحوافز والقيود الاقتصادية تجعل العمل خيارًا أكثر قابلية للظهور عندما يضعف البديل التعليمي وتضيق قدرة الأسرة على الإعالة.
كما تظهر هشاشة القدرة على الإعالة كذلك في اتساع نطاق الفقر. ووفق أحدث قياس متاح لخط الفقر الوطني، بلغ معدل الفقر في مصر نحو 33.5% من السكان في 2021/2022.³ ولا ينبغي التعامل مع هذه النسبة باعتبارها تفسيرًا منفردًا لعمالة الأطفال، وإنما باعتبارها مؤشرًا على حجم السكان الذين يعيشون في أوضاع اقتصادية تجعل تأمين الاحتياجات الأساسية أكثر صعوبة، وتزيد حساسية الأسرة تجاه انخفاض الدخل أو فقدان مصدره أو ارتفاع تكاليف المعيشة. ويصبح الأمر أكثر حدة عندما لا يكون دخل البالغين منتظمًا أو محميًا، بحيث يمكن أن يتحول دخل الطفل إلى وسيلة لسد فجوة في ميزانية الأسرة بدلًا من كونه خيارًا مستقلًا.
وتأتي الحماية الاجتماعية في هذه المعادلة باعتبارها إحدى الآليات التي يمكن أن تقلل من اعتماد الأسرة على دخل العمل وحده، وخاصة في مواجهة الفقر والصدمات الاقتصادية. وفي حين تراجعت الدولة المصرية في برامج الدعم السلعي على سبيل المثال زاد التوسع في برامج الدعم النقدي المشروط مثل برنامجي تكافل وكرامة ووصل إجمالي المستفيدين 4.7 مليون أسرة في 2025،وبلغت موازنته 54 مليار جنيه، بمتوسط دعم يبلغ نحو 900 جنيه شهريًا للأسرة، وحد أدنى 700 جنيه،ويمكن أن يصل الحد الأقصى إلى 4،000 جنيه للأسرة في بعض الحالات التي تستحق الدعم من البرنامجين معًا.
وتكشف هذه الأرقام في الوقت نفسه عن حدود التحويل النقدي في معالجة ضعف القدرة على الإعالة. فمتوسط الدعم البالغ 900 جنيه شهريًا يمثل تحويلًا محدودًا بالنسبة إلى احتياجات الأسرة،وحتى الحد الأقصى المعلن البالغ 4،000 جنيه يظل أقل من الحد الأدنى الحالي لأجر العاملين بالقطاع الخاص البالغ 7،000 جنيه. ولا تعني هذه المقارنة أن قيمة الدعم ينبغي أن تساوي الحد الأدنى للأجور، وإنما توضح الفرق بين تحويل نقدي يستهدف تخفيف حدة الفقر وبين دخل العمل الذي يفترض أن يوفر مصدرًا مستمرًا للإعاشة. كما أن وصول البرنامج إلى 4.7 مليون أسرة لا يعني أن جميع الأسر الفقيرة أو الهشة اقتصاديًا تقع ضمن تغطيته، إذ يظل البرنامج قائمًا على الاستهداف وشروط الاستحقاق. وبالتالي، فإن وجود برامج للدعم النقدي لا يلغي أثر ضعف الدخول على قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها، ولا يعني بالضرورة أن الأسرة أصبحت أقل اعتمادًا على كل مصادر الدخل المتاحة لها، بما فيها دخل الأطفال.
ومن ثم، فإن التوسع في الحماية الاجتماعية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره بديلًا عن السياسات التي تحدد مستوى دخول الأسر أو جودة الخدمات العامة، وإنما باعتباره جزءًا من إدارة الآثار الاجتماعية لعدم كفاية الدخل. فالحماية الاجتماعية تستطيع تخفيف الضغط الواقع على الأسرة، لكنها لا تعالج بمفردها ضعف الأجور، أو انتشار العمل غير الرسمي، أو ارتفاع تكلفة الخدمات، أو مشكلات جودة التعليم. حتى تصبح الحماية الاجتماعية أكثر قدرة على منع انتقال أعباء الإعالة إلى الأطفال يجب أن تكون جزءًا من منظومة أوسع تضمن دخلًا كافيًا، وخدمات عامة جيدة وميسورة، وحماية من مخاطر البطالة والمرض والعجز، بدل أن تظل محصورة في تحويلات نقدية تستهدف الفئات الأشد احتياجا
لمزيد من التفاصيل حول تأثير السياسات الاقتصادية على مستوى معيشة الأفراد يرجى قراءة ورقتنا : الحد الأدنى للأجور والعدالة الاجتماعية
على الرابط التالي: https://bit.ly/3YpUbR0
ورؤيتنا حول برامج الحماية الاجتماعية يرجى قراءة منشورنا : تأنيث الفقر بين الدعم المحدود المشروط وإعادة إنتاج الهشاشة
على الرابط التالي : https://nwrcegypt.org/labor-equality/d4v8
لكن تفسير عرض عمل الأطفال من جانب الأسر لا يفسر وحده استمرار الظاهرة. فوجود طفل مستعد للعمل لا يعني بالضرورة وجود فرصة عمل له؛ إذ يتطلب الأمر وجود طرف آخر يرى في تشغيله منفعة اقتصادية. ومن هنا ينتقل التحليل من سؤال: لماذا تحتاج بعض الأسر إلى دخل إضافي من عمل الطفل؟ إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا يجد الطفل من يرغب في تشغيله؟ وما الذي يجعل تشغيله ممكنًا ومفيدًا لصاحب العمل؟
المراجع:
١-
حلول للسياسات البديلة، «التعليم للبعض.. تداعيات الإنفاق الحكومي على إتاحة التعليم»، 1 أكتوبر 2023
UNICEF Middle East and North Africa Regional Office، Out-of-School Children in Egypt: Who They Are، Where They Are، and How Can We Reach Them، December 2014.
https://www.unicef.org/mena/reports/out-school-children-egypt
٣-
Working Children in Egypt: Results of the 2010 National Child Labour Survey
https://www.ilo.org/publications/working-children-egypt-results-2010-national-child-labour-survey
٤-
وزارة التضامن الاجتماعي، جمهورية مصر العربية، بيانات برنامج «تكافل وكرامة»، 2025–2026.
https://www.moss.gov.eg/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B6%D8%A7%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D8%AA%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%8A-%D9%88%D9%81%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%A8%D8%B9%D8%AB%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A
البوابة الالكترونية لمحافظة الشرقية



