
العدد ال٢١ من مجلة طيبة
أغسطس 16, 2026
خمس سنوات تفصل بين واقعتين متطابقتين تقريبًا في تفاصيلهما “فتاة الفستان” حبيبة طارق في جامعة طنطا عام 2021، جومانا كمال طالبة جامعة بدر التي طُردت من حفل تخرجها عام 2026. وفي الحالتين، ارتدت طالبة جامعية ملابس مقبولة لديها ومعتادة اجتماعيا، ثم وجدت نفسها فجأة موضوعًا للتفتيش والتقييم العلني من قِبل من يملكون سلطة مؤسسية عليها مراقبة امتحان في حالة حبيبة، وعميد كلية في الحالة جومانا. وفي الحالتين، لم يكن السؤال “مخالفة قانونًا أو لائحة؟”، بل “كان فرض معيارًا أخلاقيًا غير مكتوب يقرره من يملك السلطة في تلك اللحظة؟”.
هذا التكرار ليس صدفة، بل هو مؤشر على توغل على مساحة من الحرية الشخصية للنساء في الأماكن العامة والمؤسسية في مصر، رغم أن الدستور المصري نفسه ينص صراحةً في المادة 53 على أن “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو المستوى الاجتماعي أو لأي سبب آخر”، وتذهب المادة أبعد من ذلك بالنص على أن “التمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون”. فحين يمكن لموظف أو أستاذ جامعي أن يحوّل تفضيلًا شخصيًا في اللباس إلى سلطة تأديبية فعلية تصل حد الطرد من حفل التخرج أو التشهير أمام الزملاء، فإن ما يحدث عمليًا هو خرق مباشر لنص دستوري صريح، لا مجرد “تجاوز فردي” كما تحب بعض المؤسسات الرسمية وصفه، بل هو استغلال بين للسلطة، وإملاء للفرض بالإكراه، اختراق للدستور
والأخطر من الواقعتين هو أن المادة 53 التزمت الدولة بموجبها باتخاذ “التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز”، ونصت صراحةً على أن “ينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض”، لكن بعد أكثر من عشر سنوات من إقرار هذا النص في دستور 2014، وتزايد وقائع التمييز، لم تُنشأ هذه المفوضية بعد، ولم يصدر القانون المنظم لها.
فحبيبة طارق انتهى بها الأمر لسحب ملفها من الكلية بعد اتهامها بتهديد نتائجها الدراسية، و وجومانا كمال طالبة جامعة بدر لم يكن أمامها سوى نشر الواقعة على السوشيال ميديا لتضطر الجامعة للاستجابة للتحقيق- وفي الحالتين، لم تكن هناك جهة قانونية منبثقة عن النص الدستوري، يمكن اللجوء إليها بثقة للحصول على إنصاف سريع وعادل.
وحين يبقى النص الدستوري – الذي يجرّم التمييز صراحةً ويلزم الدولة بإنشاء آلية مستقلة لمواجهته حبرًا على ورق لأكثر من عقد كامل، يتحول انتشار الواقعة على مواقع التواصل الاجتماعي وضغط الرأي العام إلى الوسيلة الأجدى للابلاغ للنساء اللاتي تعرضن لتمييز أو انتقاص لحقوقهن الشخصية، بدلًا من المسار الدستوري المفترض.
وطالما بقيت هذه الفجوة بين النص والتطبيق قائمة، ستظل كل طالبة تدخل قاعة امتحان أو تقف على مسرح تخرجها، تحمل معها احتمالًا حقيقيًا بأن يتحول يوم من المفترض أن يكون احتفاليًا إلى واقعة تنمر أو إهانة علنية، بلا أي ضمانة دستورية أو تدخل قانوني فعلي يحمي الحريات الشخصية للنساء والفتيات.
المصادر
واقعة حبيبة طارق
https://www.elwatannews.com/news/details/5624617
واقعة جومانا كمال
البيان التأسيسي لسينجال حريمي




