سوق العمل وقدرة البالغين على إعالة الأسرة

حديث الأحوال الشخصية الحلقة الرابعة: بهائيو مصر مواطنون بلا زواج ولا مقابر
سبتمبر 8, 2026
حديث الأحوال الشخصية الحلقة الرابعة: بهائيو مصر مواطنون بلا زواج ولا مقابر
سبتمبر 8, 2026

 

لا يمكننا  تفسير عمل الأطفال من خلال فقر الأسرة بمعناه المجرد، لأن مصدر الدخل الأساسي للأسرة هو عمل البالغين. وبالتالي، فإن فهم أسباب لجوء الأسر إلى عمل الأطفال يبدأ من طبيعة سوق العمل الذي يعمل فيه البالغون، ومن مستوى الأجور التي يحصلون عليها، ومدى استقرار هذه الدخول وقدرتها على تغطية احتياجات الأسرة.

وتكشف بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن اتساع نطاق العمالة غير الرسمية في مصر إذ ارتفعت نسبتها من 55.9% من إجمالي العمالة عام 2012 إلى 66.7% عام 2020، بما يعني أن نحو ثلثي العاملين كانوا يعملون في وظائف غير رسمية وفقا  للتقرير .

وتتخذ العمالة غير الرسمية أبعادًا أكثر وضوحًا بين الفئات الأكثر هشاشة في سوق العمل. فنحو 90% من الشباب العاملين في الفئة العمرية من 15 إلى 24 عامًا يعملون في وظائف غير رسمية، وترتفع النسبة إلى 93% بين العاملين الذين تتجاوز أعمارهم 65 عامًا. كما ترتبط العمالة غير الرسمية ارتباطًا وثيقًا بانخفاض مستوى التعليم إذ بلغت نسبتها 89% بين العاملين ذوي التعليم الأقل من الأساسي، و82.3% بين ذوي التعليم الأساسي، مقابل 34.5% بين الحاصلين على تعليم اعلى عام 2020.

وتبرز الزراعة بصورة خاصة باعتبارها أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالعمل غير الرسمي فقد بلغت نسبة العمالة غير الرسمية بين العاملين في الزراعة 97.8% عام 2020، مقابل 58.7% في الأنشطة غير الزراعية. كما ترتفع  في أنشطة من بينها البناء وتجارة التجزئة. وتكشف هذه المؤشرات أن العمل غير الرسمي ليس ظاهرة هامشية داخل سوق العمل المصرية، وإنما يمثل أحد مكوناتها الأساسية، مع تركّز أكبر بين العمالة الشابة والأقل تعليمًا والعاملين في بعض القطاعات الأكثر تعرضًا للهشاشة.

ولا تقتصر آثار العمل غير الرسمي على طبيعة العلاقة التعاقدية أو غياب التسجيل الرسمي، وإنما تمتد إلى مستوى الحماية الاجتماعية المتاحة للعاملين. ووفق بيانات عام 2015 التي يعرضها التقرير، لم يكن أكثر من 85% من العمالة غير الرسمية في مصر مشمولين بالتأمين الصحي، في حين كانت الغالبية العظمى من العمالة الرسمية تتمتع بهذه التغطية. كما يربط التقرير بين انتشار العمالة غير الرسمية واحتمال أعلى للوقوع في الفقر، بما يشير إلى ارتباط العمل غير الرسمي بفجوة أوسع في الحماية الاقتصادية والاجتماعية 

ومن ثم، فإن اتساع نطاق العمالة غير الرسمية يمثل عاملًا مهمًا عند تحليل أوضاع العمل والدخل والحماية الاجتماعية في مصر، ولا سيما عند تحليل أسباب  عمل  الأطفال. فوجود سوق عمل واسع يقوم على العمل غير الرسمي، وعلى قطاعات مثل الزراعة والبناء والتجارة التي ترتفع فيها معدلات العمالة غير الرسمية، يخلق بيئة يكون فيها تطبيق قواعد العمل والرقابة على ظروف التشغيل أكثر صعوبة، كما يوسع المساحة التي يمكن أن يدخل فيها الأطفال إلى سوق العمل بعيدًا عن آليات الحماية والرقابة الرسمية. ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى عمل  الأطفال باعتباره ظاهرة منفصلة عن بنية سوق العمل، وإنما باعتبارها جزءًا من سوق عمل أوسع تتسم قطاعات مهمة منه بارتفاع مستويات عدم الرسمية والهشاشة وضعف الحماية.

في المقابل، ارتفع الحد الأدنى للأجور للعاملين بالقطاع الخاص إلى 7000 جنيه شهريًا اعتبارًا من مارس 2025. والقطاع العام إلى 8000 جنيةى شهريا اعتبارا من يونيو الحالي إلا أن هذا الرقم يمثل حدًا قانونيًا للأجر داخل نطاق تطبيقه، ولا يمكن التعامل معه باعتباره الدخل الفعلي لجميع العاملين. فوجود حد أدنى قانوني لا يلغي الفوارق الكبيرة بين القطاعات أو أوضاع العمال المختلفة، كما أن اتساع العمل غير الرسمي يعني أن نسبة كبيرة من العاملين لا تحصل تلقائيًا على الحماية التي يفترضها وجود حد أدنى قانوني للأجر.

ولا تتوقف المشكلة عند مستوى الأجر الاسمي، إذ إن قدرة الأجر على إعالة الأسرة تتحدد أيضًا بقيمته الحقيقية وبعدد الأشخاص الذين يعتمدون عليه. فالأجر الذي يحصل عليه عامل بالغ قد يمثل المصدر الرئيسي لدخل أسرة كاملة، وليس دخله الشخصي فقط. ومن ثم، فإن ارتفاع الأجر الاسمي لا يعني بالضرورة ارتفاع القدرة الفعلية للأسرة على الإعالة، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية بالنسبة لبحث عمل الأطفال ليس فقط: كم يبلغ أجر العامل؟ وإنما هل يوفر سوق العمل للبالغين دخلًا مستقرًا وكافيًا لإعالة الأسرة

وهو ما وضحناه تفصيليا في ورقتنا الحد الادنى للاجور والعدالة الاجتماعية 

الرابط 

وتأكد  دراسة  جاكلين وهبة” تأثير أجور السوق وتاريخ الوالدين على عمل الأطفالوالتعليم في مصر “ على  أهمية أجور البالغين في تفسير عمالة الأطفال. وتوصلت الدراسة إلى أن زيادة أجر الرجال الأميين في سوق العمل بنسبة 10% ترتبط بانخفاض احتمال عمل الأطفال بنسبة 22% للأولاد و13% للبنات. 

وتكتسب هذه النتيجة أهمية لأنها تنقل تفسير عمل الأطفالمن مستوى خصائص الأسرة وحدها إلى العلاقة بين أجور  البالغين وسوق عمل الأطفال.

ولا تتحدد قدرة العمال البالغين على تحسين أجورهم وشروط عملهم بقدرتهم على التنظيم والتفاوض الجماعي فالقيود التي تحد من قدرة العمال على تكوين تنظيمات مستقلة وفاعلة، وممارسة المفاوضة الجماعية، والدفاع عن مصالحهم داخل أماكن العمل  تعد أحد أوجه هشاشة سوق العمل المصري،  وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند تحليل عمل الأطفال، حيث ينعكس  ضعف القوة التفاوضية للعمال على  قدرة الأسرة على الإعالة اعتمادًا على عمل البالغين وحدهم 

كما تربط منظمة العمل الدولية بين مكافحة عمل الأطفالوتعزيز الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية، وتنظر إلى منظمات العمال باعتبارها طرفًا أساسيًا في جهود الوقاية من عمل الأطفالومواجهتها. وتوضح المنظمة أن النقابات، بحكم وجودها داخل عالم العمل، يمكنها استخدام آليات المراقبة المنتظمة لأماكن العمل للكشف عن تشغيل الأطفال، والمساهمة في الإبلاغ عن الحالات ومتابعتها، إلى جانب إدراج مكافحة عمل الأطفالضمن المفاوضة الجماعية والحوار الاجتماعي. كما تعتبر المفاوضة الجماعية إحدى الاستراتيجيات الرئيسية التي يمكن للنقابات استخدامها لمواجهة عمالة الأطفال.

حيث تتسم  علاقات العمل في القطاعات التي تنتشر فيها العمالة غير الرسمية والعمل الموسمي، التي  بالتشتت الجغرافي وضعف التمثيل العمالي، بما يصعّب الوصول إلى العمال ومراقبة ظروف العمل. وتمثل  بيئة شائعة لعمل  الأطفال، وفي هذا السياق، لا يعني ضعف التنظيم العمالي انخفاض القدرة التفاوضية للعمال فحسب، وإنما يعني أيضًا إضعاف إحدى الآليات الجماعية القادرة على مراقبة أماكن العمل والكشف عن الانتهاكات والمساهمة في منع استمرارها.

للاطلاع على رؤيتنا حول قانون المنظمات النقابية وحماية الحق في التنظيم النقابي 

الرابط 

وبالتالي، لا ينبغي النظر إلى قرار الأسرة بشأن عمل الطفل باعتباره قرارًا منفصلًا عن سوق العمل الذي يعمل فيه الوالدان. فكلما كان دخل البالغين منخفضًا أو غير مستقر، زادت احتمالات ظهور فجوة بين الموارد المتاحة للأسرة واحتياجاتها. ولا يعني ذلك أن كل أسرة منخفضة الدخل ستدفع أطفالها إلى العمل، وإنما يعني أن ضعف دخل البالغين يمكن أن يزيد الحاجة إلى مصادر دخل إضافية، وهو ما يجعل عمل الطفل أحد البدائل الممكنة في بعض الأسر.

لكن ذلك لا يرتبط فقط  بسوق العمل، وإنما يرتبط أيضا بما توفره الدولة من خدمات عامة، وبسياساتها الاقتصادية والاجتماعية، وبمدى قدرة نظم الحماية الاجتماعية على تخفيف أعباء المعيشة والدخل عن الأسر. ومن هنا يطرح التحليل سؤالًا أكثر اتساعًا كيف تؤثر السياسات الاقتصادية، ومستوى إتاحة الخدمات العامة وجودتها، ونظم الحماية الاجتماعية في قدرة الأسر على الإعالة، وفي حاجتها إلى الاعتماد على عمل الأطفال؟

المراجع:
1

  منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، منظمة العمل الدولية، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، «العمل غير الرسمي والتحول الهيكلي في مصر والعراق والأردن: إطار لتقييم استجابات السياسات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، OECD Publishing، باريس، 2024. المصدر الأصلي للتقرير

https://www.oecd.org/en/publications/informality-and-structural-transformation-in-egypt-iraq-and-jordan_efb16d0b-en/full-report/component-6.html

2

 Wahba، Jackline. “The Influence of Market Wages and Parental History on Child Labour and Schooling in Egypt.” 

https://link.springer.com/article/10.1007/s00148-005-0014-2

3

International Labour Organization (ILO)، Social Dialogue and Child Labour.

https://www.ilo.org/international-programme-elimination-child-labour-ipec/action-against-child-labour/social-dialogue-and-child-labour

International Labour Organization (ILO)، The Role of Trade Unions

https://www.ilo.org/resource/brief/role-trade-unions

4

nternational Labour Organization (ILO)، The Elimination of Child Labour and its Root Causes – The Guidance Offered by the ILO MNE Declaration، 2022. 

https://www.ilo.org/publications/eliminat

ion-child-labour-and-its-root-causes-guidance-offered-ilo-mne

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.