أعلنت طبيبة تعمل بالقطاع الحكومي “نائبة بقسم النساء والولادة” بالمستشفى الجامعي بمدينة طنطا في بداية أغسطس الماضي على صفحتها على موقع فيسبوك استقالتها، بسبب ظروف العمل التي وصفتها بالعبودية، من النوبتجيات التي تصل إلى 48 ساعة وأحياناً 72 ساعة، وبيئة العمل السيئة، التي لا تراعي الطبيب صحياً أو نفسياً، فيُمنع من النوم أو الذهاب لدورة المياه إلا بإذن مديره المباشر لكونها “جونيور” أي نائبة. طبيبة أخرى من أبناء المحافظة ذاتها، توفت أثناء تأدية عملها بمستشفى قصر العيني، بسبب الإرهاق وضغط العمل.
ومن ناحية جندرية فهناك تحيز مثبت تجاه الطبيبات في المجال الطبي، وتمييز بين النساء والرجال وعدم مراعاة للأدوار الاجتماعية للنساء، كذلك هناك تحجيم من وصولهن لبعض التخصصات الطبية وقلة تمثيلهن في المناصب قيادية، كما أنهم أقل تمثيلاً في المجال الأكاديمي والبحثي.
أما قطاع التمريض الذي تشكل النساء أغلبيته فيعاني إلى جانب الأجور المتدنية، وساعات النوبتجيات المتزايدة، إلى الوصم، والتحرش، والاعتداء البدني في المستشفيات، نتيجة نقص المستلزمات الطبية أو غياب الطبيب المعالج، ونتاج أفكار نمطية تجاه الممرضات ومن منظور تقاطعي فإن التحديات التي تواجه التمريض الذي يعتبر العمود الفقري للقطاع الطبي، يمكن أن تُرى من خلال اعتبار التمريض مهنة رعائية، لذا فهي من اختصاص النساء، وهي مهنة تواجه تحديات تتعلق بالوصم المجتمعي والأفكار النمطية المغلوطة، الوصم الذي يترجم إلى تحرشات لفظية وجسدية تجاه التمريض فلا تجذب المهنة النساء سوى من طبقات فقيرة، أو متوسطة، ولا تسمح الأجور المتدنية لهن بالترقي الطبقي، فتظل المهنة حصرية لطبقة معينة، فقيرة. إن واقع الطبيبات في القطاع الصحي بمصر لا يجب أن تناقش بمعزل عن أوضاع التمريض، الذي يعاني بدوره، من ضعف الأجور والنظرة الدونية.
يناقش هذا المقال واقع النساء في القطاع الصحي، وكون التحيز ضدهن هو جزء من التحيز ضد النساء في المجال العام، وكونه جزء من واقع تردي الأوضاع في القطاع الصحي ومعاناة الأطباء بشكل عام، ومعاناة النساء بشكل خاص بسبب التحيز المثبت ضدهن، وعدم فهم الأدوار الاجتماعية وعبء العمل المنزلي الذي يقع على عاتق النساء، وتستفيد منه المنظومة الرأسمالية الأبوية، ويلقي المقال الضوء على التحديات التي تواجه النساء في القطاع الصحي في مصر اللواتي يفقدن حياتهن يومياً في العمل، ويقدم توصيات لتحسين أوضاع الطبيبات/التمريض الذي ينعكس على القطاع الصحي ككل.
“ضمان الحياة الصحية وتعزيز الرفاه للجميع” هو الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة SDGS التي تبنتها الأمم المتحدة في عام 2015، ووضعتها على أجندتها لخطة 2030، على الجانب الآخر تشير البيانات الرسمية إلى انخفاض أعداد الأطباء العاملين بالقطاع الصحي بمعدل كبير بالرغم من آلاف خريجو كليات الطب سنوياً، وذلك نتيجة لهجرة الأطباء والطبيبات للخارج بحثاً عن فرص عمل أفضل، ورواتب مُرضية هذا الأمر الذي يهدد استدامة النظام الصحي في الدول الفقيرة والمتوسطة التي يهاجر منها الأطباء إلى الدول الغنية. هذا النقص في أعداد الأطباء الذي جعل وزيرة الصحة السابقة “هالة زايد” تدعو الأطباء للتطوع في فترة جائحة كورونا لسد العجز الموجود في المستشفيات. وتعاني مصر من نقص حاد في عدد الأطباء، فقد بلغت نسبة الأطباء لكل ١٠ آلاف نسمة في عام 2020 6.7 فيما يبلغ المعدل العالمي 17.6 لكل 10 آلاف نسمة.
وقد أعلن نقيب الأطباء هجرة 7 آلاف طبيب في العام الماضي، وفقدت وزارة الصحة المصرية ٥٪ من الأطباء والطبيبات العاملين والعاملات بها في الفترة من (2016-2018) نتيجة هجرة الأطباء والطبيبات إلى القطاع الخاص أو إلى الخارج، لتدهور أوضاع القطاع الصحي، ويشمل هذا التدهور تدني الأجور، وزيادة ساعات العمل، التي قادت إلى وفاة العديد من الأطباء الشباب والشابات خلال ساعات عملهم، وبلغت معدلات الوفاة تبعاً لنقابة الأطباء 2 طبيب كل شهر في عام 2022، مقابل 3 وفيات في عام 2018، و 11 وفاة في عام 2019، و 7 وفيات عام2020، و 10 وفيات عام 2021.
وقد بينت دراسة للباحثة منة البحيري نُشرت بالجامعة الأمريكية عام 2024، الأسباب التي تدفع الأطباء المصريين والمصريات للهجرة لبلدان ذات دخل مرتفع مثل إنجلترا، والتي تضمنت ضعف الموارد بالمنشآت الصحية، حتى أن الطبيب/ة قد ينفق من جيبه الخاص تكاليف شراء بعض المستلزمات الطبية الأساسية اللازمة لسير العمل، وعلاج المرضى، وبالرغم من ذلك فيتم إلقاء اللوم على الطبيب/ة من قبل المرضى عند وجود عجز في الأدوية أو المستلزمات الطبية. بالإضافة إلى نقص البرامج التعليمية والتدريبية للأطباء والطبيبات، وضعف المرتبات. وقد أقر رئيس الجمهورية في يونيو 2023 بأن الحكومة لا تلتزم بالحد الأدنى الذي يقره الدستور المصري للإنفاق على التعليم والصحة ويلزم الدستور الحكومة بإنفاق 3٪ من الناتج المحلي على الصحة. وتبعاً لتقرير الحق في الصحة في مصر، فإن ضعف الإنفاق الحكومي على الصحة هو من عوامل الإفقار، فيلجأ المواطن للقطاع الخاص للحصول على خدمة طبية. فيصل إنفاق المواطنين على الصحة نسبة 60٪ في السنوات الأخيرة.
ويبلغ راتب طبيب الامتياز 2800 جنيهاً، في حين لا يتجاوز مرتب الطبيب المقيم 7 آلاف جنيه، وذلك وفقاً لنقيب الأطباء أسامة عبد الحي. وهو يمثل الحد الأدنى للأجور، لكن يظل أقل من الراتب الذي يضمن معيشة جيدة وآدمية.
إن تاريخ التحيز الطبي في العالم طويل جداً، ضد الطبيبات، في هذه المهنة التي هيمن عليها الرجال تاريخياً، منذ أن كان محرماً على النساء دراسة الطب، واقتحمت النساء عالم الطب لتدرس متخفية في زي رجل، خلق هذا التحيز فجوة معرفية وبحثية عن صحة النساء، وأخطاء في التشخيص، والعلاج، وفي تشخيص أمراض المناعة الذاتية والقلب. وتشكل النساء عالمياً 70٪ من العاملين في القطاع الصحي، لكن في أغلب البلدان لا يزال أغلبية الأطباء هم الذكور.
ويمكن تلخيص مظاهر التحيز ضد الطبيبات في القطاع الصحي في مصر، فهناك تحيز مجتمعي متمثل في الأفكار التقليدية ضد الطبيبات التي تجعل المرضى لا يفضلون زيارة طبيبة، وقلة تمثيل النساء في المناصب القيادية، عدم مراعاة الأدوار الاجتماعية للنساء، نقص أعداد النساء في المجال الأكاديمي والبحثي، احتكار الأطباء الذكور لتخصصات بعينها
تتعرض الطبيبات للتمييز بتحجيم وصولهن لمناصب قيادية بالقطاع الصحي، مناصب إدارية في وزارة الصحة، لا يمكن رؤية ذلك سوى كونه وضع النساء كتابع، أو كونهن “الجنس الآخر” كما تقول سيمون دي بوفوار في كتابها الشهير، بينما يحتكر الرجال القيادة لأنهم أكثر تعقلاً، وقدرة على إتمام الأعمال الذهنية، ولأنهم أيضاً لا يتحملون عبء الأعمال المنزلية، ورعاية الأطفال، أما النساء فلا تستطيع تحقيق التوازن بين الأمرين. وبالعودة للطبيبة المستقيلة التي أعلنت كونها الطبيبة الثامنة التي تضطر للاستقالة من قسم النساء والتوليد في جامعة طنطا من أصل 15 نائب أخصائي أو طبيب مقيم متدرب في القسم، يتكشف واقع الطبيبات في المستشفيات المصرية، فيتعرض النائب أو “الجونيور” للإهانة اللفظية، أو كما تصف الطبيبة يوصفون بكونهم “نواب زبالة” ولايسمح لهم بالعمل والتدريب، ويخبرهم من يرأسهم أنه من الأفضل لهم أن يستقيلوا، وهو مافعلته الطبيبة في النهاية حتى يقتصر قسم النساء والتوليد على الذكور، وتُحرم الطبيبات من القسم الذي تفضله.
وتبعاً لدراسة نُشرت عام 2023 في دورية Egyptian journal of occupational medicine أجريت على 314 طبيب وطبيبة فإن هناك انخفاض ملحوظ في عدد النساء في القطاع الطبي في المناصب القيادية، أقر 82.5٪ من المبحوثات أن الرجال يحظوا بفرص في العمل تفوق زميلاتهم، واعتقدت 64.5 منهم بعدم وجود عدالة بين الجنسين في العمل، كما بينت الدراسة أن الطبيبات يتعرضن للتمييز في العمل، ويحظين بامتيازات أقل من الرجال في مجال العمل. كما يندر وجود النساء بتخصصات معينة مثل الجراحة والعظام، بسبب أعراف متوارثة، تجعل الأطباء يلجأون إلى سياسة “تطفيش” النساء من تلك الأقسام بدعوى أنهن غير مستعدات لهذه الأقسام فلهن أدوار أخرى هي الأمومة والعمل المنزلي.
أما عن الجانب الأكاديمي والبحثي: فعلى الرغم من ازدياد تمثيل النساء في القطاع الصحي فتعاني النساء من التمييز الجندري فهن الأقل تمثيلاً في الحقول الأكاديمية والأقل فرصاً في المجال البحثي فلعقود من الزمن تأكدت الفجوة في أعداد النساء في المجال البحثي، ونقص أعداد النساء أكاديمياً، قدر معهد اليونسكو للإحصاء نسبة النساء في مجال البحث العلمي في مصر 44٪ وذلك في عام 2018. محاولات تفسير هذه الفجوة تضمنت عدة أسباب تتعلق بمفهوم الجندر والأفكار النمطية عن النساء والرجال التي ترى الرجال أكثر قدرة على التحليل التفكير المنطقي والأدوار الاجتماعية للنساء وعبء العمل المنزلي الذي تتحمله النساء ويصعب معه إيجاد الوقت للأبحاث العلمية، والنشر المرتبط بالترقي في الحقل الأكاديمي.
تقول كاترين ماركيل في كتاب “من قام بطهي عشاء آدم سميث” إن الأعمال الرعائية، كانت تُرى دائماً أنها تتم بدافع الحب، والدافع الأخلاقي، والإنساني، لذلك حددت لها النماذج الاقتصادية المعيارية أجوراً متدنية، فبما إنها مهنة إنسانية، لا يمكن أن تُمنح أيضاً أجراً مرتفعاً، لأن الحب لا يقدر بثمن. كأن المهنة السامية تتعارض مع المرتبات العادلة، تماماً مثلما تقدم النساء الأعمال المنزلية التي لا تنتهي بالمجان، لأنه يُفترض أنها تتم بدافع الحب، ولابد أن يُرى ذلك في سياق أن التمريض مهنة يشكل أغلبيتها النساء. ينطبق ذلك بشكل كبير على مهنة التمريض، التي تعتبر مهنة رعائية، تشكل النساء أغلبية العاملات بها.
يعتبر التمريض هو العمود الفقري للقطاع الصحي، فتقدر نسبة التمريض 60% من العاملين في القطاع الصحي في العالم، وتشكل النساء أغلبية العاملين بهذا القطاع، الذي يعد من بين أكثر القطاعات التي تتعرض فيه النساء للعنف، والاعتداء البدني من قبل أهل المرضى، أو مرافقيهم. فهن الحلقة الأضعف في القطاع الصحي، والأقل تمكين اجتماعي واقتصادي والأكثر تعرضاً للوصم والإساءة بأشكال شتى رغم اعتراف صناع القرار بأهميته. وتعاني مصر من نقص في التمريض ففي حين أن منظمة الصحة العالمية تقدر أن هناك حاجة إلى 2.5 موظف طبي على الأقل (أطباء وممرضات وقابلات) لكل 1000 شخص لتوفير تغطية كافية مع تدخلات الرعاية الأولية. بينما يقدر أن هناك 1.9 ممرضة في مصر لكل 1000 شخص بحسب بيانات البنك الدولي في عام 2018.
وفي دراسة نُشرت في وردية sexual and reproductive health care بعنوان “التحرش الجنسي في أماكن العمل بين الممرضات في مستشفيات الجامعة في مصر” أن أكثر من نصف الممرضات في عينة الدراسة تعرضن لنوع واحد من التحرش الجنسي، وأغلبية الحالات تعرضت للتحرش اللفظي بنسبة 58.1%، وتلاها الإيماءات الجنسية، بنسبة 28.5% وتلاها التحرشات الجسدية بنسبة 18%.
وبينت الدراسة أن التحرش الجنسي اللفظي ضد الممرضات في المستشفيات هو أمر شديد الشيوع، فتتعرض للتحرش من قبل أهل المرضى، خاصةً الممرضات الأصغر سناً، وحديثات التخرج.
وفي دراسة أخرى عن الأحوال الاجتماعية، والاقتصادية لمهنة التمريض في مصر، التي تلعب دوراً حيوياً في القطاع الطبي، وهي صادرة عام 2016 للباحثة نسرين فؤاد؛ تقول إن الممرضات العاملات في المستشفيات الحكومية في مصر تعانين من تدني في أوضاعهن الاجتماعية، والاقتصادية، والذي يعود إلى النظرة الدونية للمهنة والمشتغلين بها. تضمنت الدراسة مقابلات مع ممرضات ذكرن تعرضهن للسب من قبل جيرانهن بألفاظ خارجة بسبب عودتهن ليلاً من النوبتجية، وتعرض بعضهن للتحرش من مرافقين للمرضى. ويجدر بالذكر أن مصر لم توقع على الاتفاقية “190” الخاصة بالعنف والتحرش في أماكن العمل، والتي تبناها مؤتمر العمل في يونيو 2019.
بجانب التمييز والاحتراق الوظيفي وتدني الأجور تتعرض النساء لاعتداءات متكررة وقد سُجلت العديد من حالات الضرب والاعتداء البدني على الأطباء والطبيبات والتمريض، وتعرّف منظمة الصحة العالمية “العنف في مجال العمل” “WPV” بأنه استخدام للعنف أو التهديد تجاه الأشخاص في سياق مرتبط بالعمل والذي قد ينتج عنه أذى نفسي أو جسدي أو يقود للموت”. وفي هذا السياق تدعو ورقة بحثية أصدرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعنوان “قبل كورونا وبعده..محنة الأطباء المصريين” إلى فهم الأسباب الجذرية وراء العنف تجاه الطواقم الطبية لعلاج هذه المشكلة، ومنعها من الأساس، بدايةً من نقص المستلزمات الطبية، ونقص أطباء الطوارئ، وعدم رضا المريض عن الخدمة الطبية المقدمة. كما ترى الورقة البحثية أن أعمال العنف تجاه الأطباء من الأسباب التي تجعلهم يهجرون القطاع العام إلى القطاع الخاص أو إلى الخارج.
ختاماً؛ إن النساء العاملات في القطاع الصحي تعانين من تحيز له العديد من الصور منها قلة تمثيلهن في المناصب القيادية، ومنعهن من العمل بتخصصات بعينها، ونقص البرامج التدريبية، وعدم مراعاة العمل للأدوار الاجتماعية يأتي ذلك في ظل واقع سيء يعانيه القطاع الصحي من نقص أعداد الأطباء وهجرتهم للخارج بحثاً عن فرص عمل وحياة أفضل، هذه الظروف السيئة تتحملها الفئات الأكثر هشاشة داخل المنظومة الصحية، فيما تعاني النساء في قطاع التمريض من درجة أخرى من التمييز الجندري والوصم، والأفكار النمطية، والاعتداءات البدنية في المستشفيات من قبل أهل المرضى أو مرافقيهم بما أنهن المستقبِل الأول أو الثاني للمريض بعد المسعِف. يتطلب الأمر مزيد من الدراسات حول واقع النساء في القطاع الصحي، في الحضر وفي الريف، وفي المناطق النائية، التي تعاني بشكل أكبر من نقص الموارد، والمستلزمات الطبية، ويقع على الأطباء والطبيبات بها عبء إضافي هو عبء التثقيف الصحي والطبي، ويتطلب إصلاح المنظومة الصحية تدخل الدولة لوضع سياسات إصلاحية شاملة، لا تلجأ لزيادة أعداد الخريجين فحسب، بل زيادة الإنفاق على قطاع الصحة وتحسين بيئة العمل، ومنع التمييز بين الجنسين، ووجود آلية لرصد التمييز والشكوى، ووضع سياسات عمل ترى النساء وتراعي النوع الاجتماعي وتحارب الوصم والتحيز ضدهن. ولايمكن إغفال دور النقابات، نقابة الأطباء، والتمريض، وضرورة وجود تنظيم نقابي حقيقي ينحاز لحقوق ومصالح العاملين ويدرك الأدوار الاجتماعية للنساء.