إن الفقر فى حد ذاته لا يعتبر ظاهرة حديثة إذ عرفته البشرية منذ القدم، إلا أنه فى ظل العولمة وضغوط مؤسسات المالية والتجارية ومنظمة التجارة العالمية تزايد إفقار الملايين من البشر فى العديد من الدول النامية والمتقدمة. واقترن بتزايد نسبة الفقر والفقراء ظهور اشاعات، وتزايد انتشار الأمراض والأوبئة، والصراعات العرقية، والحروب المسلحة، بالإضافة إلى تدنى الخدمات الصحية والتعليمية وتزايد انتشار البطالة وما يصاحبها من مخاطر عديدة، واتجاه العديد من الدول إلى الخصخصة.
وقد تتعدد مظاهر الفقر وأشكاله: منها فقر الموارد، وفقر الخدمات، والقدرات، وفقر الدخل. إضافة إلى ما يوجد من جيوب للفقر تتخلل الثراء فى البلدان المتقدمة والنامية معاً، علاوة على ما يوجد من تمييز اجتماعي بين الفقراء والأغنياء، وبين الرجل والمرأة فى مختلف مجالات الحياة الإنسانية وما صاحب ذلك من تزايد نسبة النساء الفقيرات عامة، والأسر التي تعولها إناث (المرأة المعيلة) خاصة والفقر لا يعتبر مشكلة اقتصادية أو اجتماعية فقط بل يمثل مشكلة ثقافية وأخلاقية، بل وأمنية وصحية. وفضلاً عن ذلك، فهو يمثل مشكلة إنسانية حينما تتجاور صور البؤس والحرمان والتهميش والاستبعاد الاجتماعي للفقراء، مع غيرها من صور الإسراف والترف أو الثراء بمظاهره المتنوعة التى يعيشها بعض الأغنياء فى عالمنا المعاصر
ولقد جاء الاهتمام بمكافحة الفقر ومحاولة تمكين المرأة ضمن الأهداف الإنمائية للألفية الثالثة وذلك من بين أهدافها الثمانية والتى تحددت فى: القضاء على الفقر المدقع والجوع، وتحقيق التعليم الابتدائي الشامل، وتشجيع المساواة بين الجنسين وتمكين النساء، وتخفيض معدل وفيات الأطفال، وتحسين صحة الأمهات. علاوة على مكافحة فيروس ومرض الإيدز، والملاريا .( وأخيرًا ضمان استمرارية البيئة
ومما هو جدير بالإشارة، أنه على الرغم من أن “الفقر” مذكر لغوياً إلا أنه على مستوى الواقع المعاش قد أصبح مؤنثاً فعلياً، ومن ثم صار لصيقاً بالمرأة أكثر من الرجل وذلك على الرغم من أن كليهما (أى المرأة والرجل) يعيشان فى ظل نفس الظروف والأوضاع الاقتصادية والصحية والسياسية والثقافية … الخ السائدة فى المجتمع، إلا أنه فى ظل ما يوجد من تمييز اجتماعي بين الرجل والمرأة فى مختلف مجالات العمل، وفى الفرص المتاحة للعمل، والأجر من العمل، وفي التعليم والعلاج من الأمراض … الخ.
وبالتالي انعدام تحقيق المساواة بينهما على مستوى الواقع الاجتماعي السائد فى المجتمع . علاوة على، تزايد عدد الأسر التي تعولها إناث أو كما تعرف بالمرأة المعيلة نظرًا لحدوث حالات الطلاق والترمل أو إصابة الزوج ببعض الأمراض المزمنة وغير ذلك من عوامل أخرى منها العنوسة كل هذا يساعد على اتساع دائرة فقر النساء. وما .Feminization of Poverty ” ومن هنا بدأ الحديث عما يعرف بـ ظاهرة “تأنيث الفقر يصاحبها من مشكلات متعددة تعتبر أحد إفرازات العولمة، وهى أيضاً ظاهرة تتداخل أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والصحية والمعرفية؛ وذلك بالإضافة إلى تعدد أسبابها ما بين الذاتية والموضوعية والمحلية والعالمية
وفى الحقيقة، لم يتم توجيه عناية خاصة لفقر النساء إلا بعد أن أثارته وركزت عليه المؤتمرات الدولية التى أظهرت اهتماماً عالمياً بالمرأة وقضاياها، وتجلى ذلك فى عدة مظاهر منها انعقاد المؤتمر العالمي الأول للمرأة فى المكسيك عام ١٩٧٥، حيث تم فيه إنجاز بعض النتائج الملموسة لتطبيق خطة العمل العالمية لتقدم المرأة. علاوة على إعلان العقد العالمى للمرأة فى ١٩٨٥ ).
وانعقاد مؤتمر “نيروبى” عام ١٩٨٥ م. وكذلك انعقاد المؤتمر – الفترة من ( ١٩٧٥ العالمي الرابع للمرأة فى “بكين” عام ١٩٩٥ م والذي تم فيه التأكيد على دعم الاستقلال الاقتصادى للمرأة ومحاولة التخفيف من أعباء الفقر المتزايدة على المرأة. بالإضافة إلى الإعلان عن عام ١٩٩٦ م باعتباره عام القضاء على الفقر، وأن القضاء على الفقر يمثل مطلباً إنسانياً .( وأخلاقياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً … الخ.
وفى ضوء ما سبق. تنقسم الدراسة الراهنة إلى خمسة مباحث. يعرض الأول منها لموضوع البحث وأهميته وأهدافه وموقع البحث فى سياق التراث العلمى والدراسات السابقة.
ويتناول المبحث الثانى التوجه النظرى والمنهجى للبحث، حيث يتحدد التوجه النظرى فى مدخلين هما مدخل البنية والفعل ومدخل التنمية البشرية، وتم التركيز على ما يطرحه كل مدخل من قضايا نظرية وما يبلوره من مفاهيم تساعد فى عملية التحليل والتفسير لموضوع الدراسة. علاوة على، ما تضمنه هذا المبحث من عرض للإجراءات المنهجية للدراسة بالإضافة إلى حجم العينة وطريقة اختيارها والخصائص العامة لعينة البحث.
وعرض المبحث الثالث للسياق البنائى وأوضاع تأنيث الفقر فى القرية المصرية من خلال الاستناد إلى بعض المؤشرات التي توجه عملية التحليل لأوضاع المرأة الريفية الفقيرة المرتبطة بالصحة والتعليم وأوضاعها فى سوق العمل.
وتناول المبحث الرابع تحليل ديناميات الاستبعاد الاجتماعى وتأنيث الفقر فى القرية المصرية من خلال الاعتماد على بعض المؤشرات – التي تكشف عن طبيعة العلاقة بين تأنيث الفقر وعمليات الاستبعاد الاجتماعى – وتحددت فى الإنتاج، والاستهلاك، التفاعل الاجتماعي والمشاركة مع الآخرين بالقرية.
وعرض المبحث الخامس للنتائج العامة للدراسة ومحاولة تفسيرها فى ضوء علاقتها بأهداف البحث ودلالات النظرية والتطبيقية.
Powered By EmbedPress