ورقة تعقيب: رد قانون الإجراءات الجنائية فرصة لإعادة بناء فلسفة العدالة على أسس حقوقية وجندرية

أرفض الطلاق بشروطك
سبتمبر 17, 2025
المرأة الجديدة تبحث عن: مدرب/ة لمهمة استشارية
المرأة الجديدة تبحث عن: مدرب/ة لمهمة استشارية
سبتمبر 24, 2025
أرفض الطلاق بشروطك
سبتمبر 17, 2025
المرأة الجديدة تبحث عن: مدرب/ة لمهمة استشارية
المرأة الجديدة تبحث عن: مدرب/ة لمهمة استشارية
سبتمبر 24, 2025

أي عدالة نريد؟

رد قانون الإجراءات الجنائية فرصة لإعادة بناء فلسفة العدالة على أسس حقوقية وجندرية

في أعقاب البيان الصادر أمس عن مجلس النواب بشأن إعادة مشروع قانون الإجراءات الجنائية إلى البرلمان بعد اعتراض رئيس الجمهورية على بعض مواده، ترى مؤسسة المرأة الجديدة أن هذه اللحظة تمثل فرصة محورية لإعادة النظر في القانون من منظور أكثر شمولاً وحساسية لقضايا النوع الاجتماعي، فبينما تركز الاعتراضات الرسمية على الجوانب الدستورية والإجرائية، يبقى الخطر الأكبر ماثلًا في استمرار تغييب السياق الاجتماعي والثقافي الأبوي الذي تعيشه النساء في مصر، حيث تعمل العادات والأعراف كتشريع موازٍ يحد من وصولهن إلى العدالة. إن تجاهل هذا البعد يعرض القانون لخطر إعادة إنتاج التمييز بدلًا من تحقيق غايته في العدالة الناجزة والمساواة أمام القانون.

إن إصلاح لمنظومة الإجراءات الجنائية لن يحقق أهدافه الحقيقية ما لم يدمج بشكل واضح منظور النوع الاجتماعي، إدراكًا لحقيقة أن النساء لسن طرفًا محايدًا أمام العدالة، بل يواجهن تمييزًا مضاعفًا يتجذر في الممارسات المجتمعية والمؤسسية على السواء. ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى مراجعة القانون، وهي بمثابة فرصة تاريخية لتبني فلسفة تشريعية عادلة تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان والمساواة أمام القانون، بما يضمن حماية النساء والفتيات من أشكال العنف المختلفة، ويكسر دائرة الصمت والتجاهل التي تحيط بقضاياهن منذ عقود.

فلسفة التشريع

في حال مراجعة قانون الإجراءات الجنائية لا يمكننا أن تتجاهل ضرورة استناد فلسفة التشريع على الالتزامات الدولية بما يشمل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والذي يكفل الحق في الحرية والمحاكمة العادلة وعدم التمييز وحماية الكرامة الإنسانية، وأيضا الالتزام باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) الدولة بضمان المساواة التامة للنساء أمام القضاء وتوفير الحماية الفعالة لهن من العنف والتمييز. وتكتسب هذه الالتزامات بعدًا أكثر خصوصية مع القواعد الأممية ذات الصلة، مثل قواعد نيلسون مانديلا التي تحدد معايير معاملة السجناء بما في ذلك ضوابط الحبس الاحتياطي، وقواعد بانكوك التي تراعي الاحتياجات الخاصة للنساء المحتجزات، لا سيما الحوامل والأمهات، وتشجع على توفير بدائل للعقوبات السالبة للحرية.

إن إدماج هذه المرجعيات في فلسفة القانون ليس مجرد التزام شكلي، بل هو ضرورة لضمان أن تكون العدالة الجنائية في مصر عدالة شاملة تُنصف النساء والفتيات وتكسر دائرة الصمت والتجاهل المحيطة بقضايا العنف ضدهن. وأي قانون يتجاهل هذا البعد إنما يُعيد إنتاج التمييز بدلًا من تفكيكه، ويكرس حرمان نصف المجتمع من الحق في العدالة الناجزة.

الإصلاح التشريعي

إن قانون الإجراءات الجنائية لا يُعد مجرد نصوص إجرائية تقنية، بل هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها منظومة العدالة الجنائية وبوابة الدخول إليها. فمن خلاله تُرسم حدود الحرية الفردية، وتُحدد ضمانات المحاكمة العادلة، وتُصان حقوق الضحايا والمتهمين/ات على حدٍ سواء. وأي خلل في بنيته ينعكس مباشرة على فرص الوصول إلى العدالة، خاصة بالنسبة للنساء اللواتي يتقاطع تهميشهن المجتمعي مع قصور النظام القانوني في مضاعفة أشكال التمييز والعنف الواقع عليهن.

من هنا، فإن إصلاح قانون الإجراءات الجنائية يجب أن يقوم على تكيف تشريعي حقيقي يضمن اتساقه مع فلسفة العدالة الجندرية وحقوق الإنسان، ويقتضي بالضرورة مراجعة القوانين الأخرى ذات الصلة، وفي مقدمتها قانون العقوبات. إذ لا معنى لإصلاح إجرائي يعزز العدالة بينما يستمر قانون العقوبات في فتح أبواب الإفلات منها، مثل استخدام المادة 17 للتخفيف المفرط في العقوبات في جرائم العنف ضد النساء بدعوى “الرأفة”، أو المادة 60 التي تُستخدم لتبرير العنف الأسري على أساس الأعراف.

التدخلات المحورية المراعية لبعد النوع الاجتماعي بالقانون

1.تيسير آلية الإبلاغ كخطوة أساسية، وضمانات عدالة الإبلاغ بالقانون، إضافة إلى ضمانات المحاكمة العادلة في قضايا العنف ضد النساء، خاصة قضايا العنف الجنسي، والعنف الاليكتروني.

ترى “المرأة الجديدة” ومن واقع تقديمها لخدمات الدعم القانوني ضرورة استحداث مواد خاصة داخل مشروع قانون الإجراءات الجنائية لتيسير آلية الإبلاغ بالنسبة للنساء المعنفات، بما يراعي واقعهن الاجتماعي والثقافي. فكثير من النساء يترددن في تقديم البلاغات لتجنب الوصم الاجتماعي أو الانتقام الأسري والمجتمعي، الأمر الذي يحرمهن من حقهن في الوصول إلى العدالة.

وفي إطار ضمانة تيسير الإبلاغ وعدالته ترى “المرأة الجديدة” أن المشروع الجديد يجب أن يتضمن نصوصًا واضحة تضمن التالي:

  • توفير قنوات آمنة وسرية للإبلاغ، سواء عبر وحدات متخصصة داخل أقسام الشرطة أو منصات إلكترونية مؤمنة.
  • كفالة حماية قانونية للمبلّغات ضد أي شكل من أشكال الانتقام أو الضغط.
  • تمكين النساء من الإبلاغ عبر جهات وسيطة معتمدة، مثل وحدات مناهضة العنف بالجامعات أو مراكز حماية المرأة، لضمان تعدد السبل والحد من العوائق التي تحول دون النفاذ إلى العدالة

إن تيسير الإبلاغ وحده لا يكفي، إذ يجب أن يتوازى مع ضمان محاكمة عادلة وفعالة تحمي النساء من التمييز أو الإقصاء خلال مراحل التقاضي. فالقانون يجب أن يوفر بيئة قضائية آمنة تقلل من الوصم الاجتماعي، وتكفل حق الدفاع الكامل والمرافعة دون تهديد أو تحيز، خصوصًا في القضايا المتعلقة بالعنف الجنسي والعنف الإلكتروني.

2. تبنى موقف يرصد ضمانات العدالة الجندرية من المحاكمة عن بعد في قضايا الوصم الاجتماعي.

تُعرب “المرأة الجديدة” عن قلقها البالغ إزاء المواد المتعلقة بالمحاكمات عن بُعد في المشروع في المواد من 525 وحتى 532، إذ ترى أنها تُعيق حق جميع النساء، سواء المعنفات أو المتهمات، في الوصول إلى محكمة فعلية توفر العدالة والشفافية. فالمحاكمات عن بُعد تعوق النساء المعنفات عن الإدلاء بشهادتهن بحرية وأمان، خصوصًا إذا كان المعتدي قريبًا أو إذا أُجريت الجلسة في بيئة منزلية غير محمية، مما يقلل من مصداقية شهادتهن ويضعف قدرتهن على متابعة قضاياهن بفعالية.

كما أن المحاكمات عن بُعد تمنع النساء المتهمات من ممارسة حق الدفاع الكامل ومواجهة القاضي ضمن بيئة آمنة وعلنية، وهو ما يضعهن في موقف ضعيف أمام النظام القضائي. وترى المؤسسة أن العدالة الجندرية الحقيقية تتطلب محاكم فعلية، علانية وشفافة، توفر لكل النساء القدرة على متابعة قضاياهن بكرامة، وضمان حقوقهن القانونية في محاكمة عادلة، ملموسة، وشفافة، تراعي البعد الجندري وتحمي النساء من أي تمييز أو إعاقة في الوصول إلى العدالة.

3. مادة التفتيش للنساء (التفتيش الذاتي) – والتخوف من إعادة تجربة كشوف العذرية –

ضرورة تعديل المادة رقم 48 الخاصة بتفتيش النساء في مشروع قانون الإجراءات الجنائية بما يراعي البعد الجندري وخصوصية المرأة، خاصة المعنفات اللواتي يتعرضن للصدمات النفسية نتيجة العنف أو المضايقات. يقترح التعديل استخدام الوسائل الإلكترونية المعتمدة لتقليل التلامس الجسدي، مع تحديد حالات التفتيش اليدوي فقط عند الضرورة القصوى، مع إخطار المرأة المشتبه فيها مسبقًا وضمان عدم انتهاك كرامتها أو تعريضها للتعرية أو اللمس المباشر. ويُلزم مأمور الضبط القضائي بتوثيق أسباب وإجراءات التفتيش اليدوي، ما يوفر ضمانات قانونية واضحة لمنع أي تجاوزات. هذا التعديل يسهم في حماية النساء المعنفات من الصدمات النفسية الناتجة عن التفتيش الجسدي المباشر، ويعزز العدالة الجندرية ويواكب التطور التكنولوجي في إجراءات التحقيق.

4. قانون الإجراءات الجنائية وحماية الحقوق الإنجابية

ترى “المرأة الجديدة” على ضرورة أن يراعي مشروع قانون الإجراءات الجنائية الحقوق الإنجابية للنساء الحوامل المحكوم عليهن. فبدلاً من أن يكون التأجيل في تنفيذ العقوبة مجرد إجراء جوازي كما جاء في نص المشروع المادة 553، يجب أن يكون التأجيل إلزاميًا ومدعومًا بضمانات صحية واجتماعية للأم وطفلها، بما يشمل إتاحة رعاية طبية ونفسية مناسبة خلال الحمل وبعد الولادة، وتمكين الأم من رعاية ورضاعة طفلها لمدة كافية تضمن مصلحته الفضلى. كما يجب أن تنص المواد القانونية بوضوح على معاملة النساء الحوامل أثناء الاحتجاز بطريقة تحمي صحتهن الإنجابية وتراعي البعد الجندري، بما يحفظ كرامتهن وحقهن في ممارسة حقوقهن الإنجابية دون إضرار أو تمييز.

5. التأكيد على حق الدفاع خاصة في قضايا حرية التعبير للنساء، قضايا العنف ضد المرأة وخاصة في جرائم الوصم المجتمعي، إضافة إلى حماية الشهود والمبلغين

ضرورة ضمان حق الدفاع الكامل للنساء في جميع القضايا، وخصوصًا تلك المتعلقة بحرية التعبير، العنف ضد المرأة، وجرائم الوصم المجتمعي، بما يتماشى مع الباب المستحدث في مشروع قانون الإجراءات الجنائية الذي يعالج حماية المجني عليهن، الشهود، المبلغين، والمتهمات -المواد من 517 إلى 522-.

إضافة إلى الضمانات الواضحة لحماية النساء من أي ممارسات تتسم بالتحامل الاجتماعي، أو التنميط، أو الضغوط أثناء التحقيق والمحاكمة، مع توفير الدعم القانوني والنفسي اللازم لتمكين النساء من ممارسة حقهن في الدفاع عن أنفسهن بكفاءة وحرية.

كما يجب أن تُراعى الخصوصية والبعد الجندري في جميع مراحل التقاضي، لضمان عدالة الإجراءات وحماية الحقوق والحريات الأساسية للنساء، وتمكين النساء كمجني عليهن، أو شهود، أو مُبلّغات من الإدلاء بشهاداتهن أو تقديم البلاغات بحرية وأمان دون خوف من الانتقام أو الوصم المجتمعي.

6. إجراءات التعاون القضائي الدولي في المسائل الجنائية – حالة آية عادل

يشكل الباب المستحدث للتعاون القضائي الدولي في المسائل الجنائية -من المواد 503 إلى 516- خطوة مهمة لتعزيز قدرة السلطات المصرية على التعامل مع الجرائم العابرة للحدود، بما في ذلك طلبات المساعدة القضائية، وتسليم المجرمين، واسترداد الأموال أو الأصول، ونقل المحكوم عليهم. ومع ذلك، يواجه هذا الباب عدة إشكاليات، أبرزها الحاجة لضمان حماية حقوق النساء في القضايا الحساسة، وضمان سرية التحقيقات، سلامة الضحايا والشهود، وتوافق الإجراءات مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

تتجلى أهمية هذا التعاون في قضايا مثل قضية آية عادل، حيث أدت التحديات في التنسيق بين السلطات القضائية في مصر والأردن إلى إضعاف إمكانية محاسبة الجاني وضمان العدالة للضحية. وتوضح هذه القضية الحاجة الماسة إلى تعزيز التعاون القضائي الدولي بما يضمن ملاحقة الجناة عبر الحدود، تبادل المعلومات والأدلة، وحماية حقوق النساء كمجني عليهن أو شهود أو مُبلّغات عن الانتهاكات، مع توفير التدريب المستمر للقضاة وأعضاء النيابة العامة على التعامل مع هذه القضايا.

7. التعويض

تلاحظ “المرأة الجديدة” أن نص المادة الخاصة بالتعويض عن الحبس الاحتياطي في مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد التي تحمل رقم (523) يحتوي على قيود وشروط غير مبررة قد تحد من استحقاق المتهمين للتعويض، مثل وضع شروط إضافية على أسباب البراءة أو ألا وجه لإقامة الدعوى. هذا العوار يجعل حق التعويض مقيدًا وغير متساوٍ في التطبيق، بما قد يؤثر بشكل خاص على النساء اللواتي قد يتعرضن لمضاعفات اجتماعية ونفسية أكبر نتيجة الحبس الاحتياطي، مثل فقدان العمل أو الوصم الاجتماعي وتأثير ذلك على الأسرة والأطفال.

ولذلك، نرى أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب صياغة واضحة تُقر بحق التعويض لأي متهم حُبس احتياطيًا وتمت تبرئته أو صدر أمر بألا وجه لإقامة الدعوى، دون قيود إضافية غير مبررة. كما يجب أن تشمل آلية التعويض الجانب المادي والمعنوي والنفسي والاجتماعي للمرأة، بما يعكس العدالة الفعلية ويعزز حماية حقوق النساء في النظام القضائي المصري.

وختاما نؤكد أن تعزيز وصول النساء إلى منصة القضاء ليس هدفًا شكليًا، بل خطوة استراتيجية تؤثر على فعالية القانون في حماية حقوق النساء والفتيات. فتمكين النساء في مراكز اتخاذ القرار القضائي يعزز حساسية النظام تجاه قضايا النوع الاجتماعي، ويضمن مراعاة البعد الجندري في جميع مراحل التقاضي، بما يشمل حق الدفاع، حماية الشهود والمبلغات، ضمان التعويض عن الحبس الاحتياطي، ومعالجة القضايا العابرة للحدود عبر التعاون القضائي الدولي.

إن وجود النساء في القضاء يسهم في تطوير فهم أعمق لكل أشكال التمييز والتعنيف والضرر النفسي والاجتماعي، ويعزز من قدرة النظام على توفير بيئة قضائية آمنة، تقلل من الوصم الاجتماعي، وتحمي حقوق النساء كمجني عليهن أو شهود أو مُبلّغات، مع ضمان حصولهن على الدعم القانوني والنفسي اللازم.

كما نؤكد على أن أي مراجعة للقانون يجب أن تراعي الانسجام بين نصوصه وبين القوانين الأخرى ذات الصلة، وتضمن صياغة واضحة لحقوق النساء في كل مراحل الإجراءات الجنائية، بما يحقق العدالة الفعلية ويكسر دائرة الصمت والتجاهل، ويؤكد على المساواة والإنصاف كركائز أساسية للعدالة الجنائية في مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.