

تربط الدولة صورتها بصورة النساء، فترى أن صورة النساء الفقيرات تشوه من صورتها بشكل عام وبصورة نساء مصر بشكل خاص. ولذلك من الضروري إخفائهن عن أعين الجميع، خصوصًا أعين المستثمر الأجنبي، أو على الأقل التحكم في كيفية توصيل تلك الصورة عن طريق مسلسل أو فيلم مُنتج من شركة تابعة للحكومة المصرية. أعلنت شركة مملوكة للحكومة معنية بتقديم الخدمات الإعلامية يوم 21 أغسطس، عن تعاون بينها وبين تيك توك تحت مظلة افتتاح المتحف المصري الكبير، بهدف الوصول لأكبر عدد من المشاهدين وخاصةً الاستساغة للأصغر سنًا وأيضًا وإعادة صياغة المحتوى المنشور على تيك توك ليتناسب مع القيم المجتمعية. يأتي هذا التعاون متزامنًا مع عرض عمل فني، من إنتاج نفس الشركة، يُقدم الرؤية الرسمية للدولة في علاقتها مع صانعات المحتوى. وتناول، على شاكلة نظريات المؤامرة، الكيفية المفترضة التي تعمل بها شركات ووكالات الإنتاج على توجيه صانعات المحتوى لصالح أجندات غير معلنة.
فيتحول بذلك إلى فرض وصاية على أجسادهن وحياتهن. ظهرت تلك الوصاية مع الاستعمار وربط تحرر الوطن “والأرض” وحمايته بحماية أجساد النساء “وعرضهن.” وصولاً إلى إعلان الجمهورية والذي تبعه خطاب محمد نجيب الذي دعا فيه الإعلام إلى ضرورة إعادة تخيل الفن المناسب لصورة وسمعة مصر وبادءًا ذي بدء بمنع الأفلام التي تتضمن الراقصات وتبعه إصدار قانون حماية القيم من العيب رقم 98 لسنة 1980 تحت حكم أنور السادات. لكن اختلف تطبيق القانون باختلاف المناطق الجغرافية التي حُددت على أساسها اختلاف الطبقات الاجتماعية والاقتصادية.
خلال الفترة الأخيرة التي تلت الويبنار، استُحدثت بعض التطورات المتعلقة بالأحكام الموجهة إلى المتهمات. لم توجه النيابة العامة أية اتهامات تتعلق بالكسب غير المشروع أو غسيل الأموال وركزت بشكل كبير على الاعتداء على قيم الأسرة المصرية. ورغم ذلك أصدرت المحكمة الاقتصادية ومحكمة جنايات القاهرة قرارًا بالتحفظ على أموال المقبوض عليهم (وأهاليهم) ومنع التصرف فيها. لم تكتفِ المحاكم بالحجز على أموال المتهمين وإنما أيضًا بالنشر الاستعراضي للقيمة المالية لممتلكات المتهمين بالإضافة إلى مدخراتهن. كانت القيم المالية المعروضة، قيم بسيطة لا تتجاوز حتى إطار الطبقة المتوسطة أو فوق المتوسطة.
تحفزنا هذه التطورات الأخيرة على طرح عدة تساؤلات: أولهما، يتعلق بالترويج لاتهام الكسب غير المشروع وماهية تعريفه. تسألنا في كل من الورقة السابقة والويبنار الذي تبعها عن تصنيف الحكومة للفضاءات المسموح التربح منها، وإذا كان السماح يشمل فقط الفضاء المسيطر عليه والذي يضع حدودًا واضحًا جندرية واقتصادية بين من حقه التربح من داخلها والحد الأقصى المقدر ذلك الربح. أما ثانيهما، فيتعلق باتهام “تحقيق أرباح مالية” والذي أُشير له في عدة مناحي داخل نصّ القضية بوصفه اعتراف المتهم. نتساءل إذًا لماذا يعد تحقيق ربح مادي جريمة؟ يعمل الإنسان مقابل نظير من المال يمكنه من التكفل بمعيشته وتحقيق رفاهيته وإعادة الإنتاج الاجتماعي من أجل المشاركة في عجلة تنمية المجتمع بأكمله. نتساءل أيضًا عن الأسس التي اعتمدتها العدالة في تصنيف الربح المادي بوصفه حق في بعض المواضع وبوصفه جريمة في مواضع أخرى.
Powered By EmbedPress